تطور الإنسان وتطورت معه الجريمة بوسائلها وأشكالها، فلم تعد تحتاج إلى شارع مظلم أو سلاح «أبيض» أو آلي، ولا إلى عصابة تجتمع في مكان واحد لاقتحام منزل أو مصرف.. يكفيها هاتف ذكي، وشبكة إنترنت، وخوارزمية تعرف كيف تتسلل إلى عقل الإنسان وتخترق كل معلوماته وأسراره وخصوصياته وتتسلل إلى حسابه المصرفي، بل تصل إلى عمق منزله وغرفة نومه وتتم السرقة وتتم كل أشكال الجرائم افتراضياً وعن بُعد.
هذه هي المفارقة الكبرى التي تفرض نفسها على العالم اليوم، التكنولوجيا التي صنعت رفاهية الإنسان، وسّعت في الوقت نفسه مساحة الجريمة وغيّرت أدواتها وسرعتها ومدى انتشارها.. ومن أبوظبي، حيث ينعقد مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، نلاحظ أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع هذه التغيرات من منطلق أنه لا يمكن مواجهة جريمة القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن العشرين.
المؤتمر، الذي يجمع الحكومات والخبراء والقضاة والنيابات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني والشباب، لا يناقش الجريمة باعتبارها ظاهرة أمنية فقط، وإنما باعتبارها تحدياً حقيقياً يمس الإنسان والتنمية والاقتصاد والبيئة والثقة بالمؤسسات وسيادة القانون.. واللافت أنه يضم الشباب ليشاركوا في هذا الحوار، باعتبارهم شركاء أساسيين في صناعة الحاضر والمستقبل، وهم الفئة الأكثر استخداماً وتفاعلاً مع عالم التكنولوجيا، وبالتالي هم الأكثر تأثراً وتضرراً من الجريمة الإلكترونية.
نحن أمام عالم تتداخل فيه الجريمة المنظمة مع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبيانات العامة والشخصية؛ المحتال والمجرم يستطيع أن يكون في قارة، وضحيته في قارة أخرى، والأموال تتحرك خلال ثوانٍ، والأدلة قد تكون موزعة بين دول عدة.. وليس من السهل الوصول إلى المجرمين الحقيقيين بسبب قدرة هؤلاء على إخفاء بياناتهم وهويتهم.. لذا يمكن القول إن التكنولوجيا نفسها أصبحت ساحة للجريمة وأداة لمواجهتها في آن واحد؛ وهنا تستوقفنا الرسالة التي وجهتها أبوظبي في افتتاح المؤتمر، أنه لا ينبغي أن نخاف من التكنولوجيا، بل أن نتعلم كيف نستخدمها، مشددة على أهمية الوقاية قبل أن تقع الجريمة، والتعاون قبل أن تعبر الجريمة الحدود، وأن تكون التكنولوجيا في خدمة العدالة لا في خدمة المجرم.
المعركة الحقيقية هي بين من يستخدم التكنولوجيا لصناعة مستقبل أكثر أمناً، ومن يستخدمها لصناعة جريمة أكثر ذكاءً؛ والفارق بين الاثنين لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل يعتمد على قدرة الإنسان على التطور وتطوير القوانين وعدم الاكتفاء باللحاق بركب التكنولوجيا وانتظار تطورها لكي يبدأ في التحرك وفق آلياتها وإمكانياتها ومفاجآتها في سرعة تغيير الواقع والتأثير على العقل البشري، من المهم أن يكون القانون والتعاون الدولي مستعداً.
