الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الجغرافيا المسلحة.. خليج وبحران وأزمات

15 سبتمبر 2026 00:28 صباحًا | آخر تحديث: 15 سبتمبر 00:29 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم تعد الجغرافيا في صراعات اليوم مجرد مسرح تتحرك فوقه الجيوش، بل أصبحت هي نفسها جزءاً من أدوات القوة. الميناء، والمضيق، وخط الأنابيب، والطريق البديل، باتت عناصر في معادلة الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي. وما يجري في البحر الأسود والبحر الأحمر والخليج العربي يقدم صورة واضحة للجغرافيا المسلحة.
في البحر الأسود، فرضت الحرب الروسية الأوكرانية واقعاً جديداً على حركة التجارة والطاقة والغذاء. فقد تعرضت الموانئ والبنية التحتية ومنشآت التصدير للضغوط، واتجهت أوكرانيا إلى مسارات بديلة عبر نهر الدانوب والسكك الحديدية والمعابر البرية. وانتقلت التداعيات إلى أسواق الحبوب والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد.
وفي البحر الأحمر، تبدو الصورة أكثر خطورة بسبب صعود جماعة الحوثي الإرهابية وتحولها إلى عامل مؤثر في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فتقدم الجماعة على الساحل الغربي اليمني وسيطرتها على مواقع قريبة من باب المندب لا يمثلان تغيراً جغرافياً محلياً فحسب، بل يرفعان قدرتها على تهديد الملاحة الدولية والضغط على تجارة الطاقة بين آسيا وأوروبا.
والخطر هنا أن جماعة مسلحة غير دولية باتت تستطيع، بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، أن تفرض تكلفة أمنية واقتصادية على سفن ودول لا علاقة مباشرة لها بالصراع اليمني. وكلما اقترب الحوثيون من باب المندب، أصبحت الجغرافيا نفسها جزءاً من قوة الجماعة، إذ يقلل قرب منصات الإطلاق زمن الإنذار ويزيد العبء على السفن وشركات التأمين وقوات حماية الملاحة.
أما في الخليج العربي، فإن السلوك الإيراني الخطر وغير المسؤول يقدم نموذجاً آخر لاستخدام الجغرافيا أداة للإكراه. فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، تعرض لاعتداءات وتهديدات ومحاولات فرض قواعد انتقائية على مرور السفن، إلى جانب استهداف ناقلات تجارية.
خطورة هذا السلوك لا تكمن فقط في تعطيل سفينة أو رفع سعر برميل النفط، وإنما في محاولة تحويل مضيق دولي حيوي إلى وسيلة ضغط سياسي واقتصادي. فعندما تسأل شركة الشحن قبل الإبحار عن احتمال الاستهداف أو الاحتجاز، فإن حرية الملاحة تصبح تحت الضغط من دون إغلاق رسمي للمضيق.
وهنا يبرز التشابه بين البحار الثلاثة. ففي البحر الأسود تتأثر موانئ الغذاء والتصدير، وفي البحر الأحمر تقترب جماعة الحوثي الإرهابية من عقدة بحرية تربط الشرق بالغرب، وفي الخليج العربي يؤدي السلوك الإيراني إلى تهديد شريان أساسي للطاقة العالمية. تختلف الأطراف والدوافع، لكن النتيجة واحدة: نقطة جغرافية صغيرة تنتج أزمة اقتصادية تتجاوز حدودها بآلاف الكيلومترات.
والأخطر أن آثارها لا تتوقف عند السفن والموانئ. اضطراب طريق بحري يؤدي إلى ارتفاع التأمين، وارتفاع التأمين يرفع تكلفة الشحن، وتكلفة الشحن تنتقل إلى أسعار الطاقة والغذاء والسلع، ثم تضغط على الاقتصادات والمستهلكين. وهكذا يتحول الصراع الجغرافي إلى أزمة طاقة وتضخم واضطراب في سلاسل الإمداد.
بل إن البدائل قد لا تكفي دائماً. فإذا تعرض هرمز للضغط، ترتفع أهمية خطوط الأنابيب والبحر الأحمر، وإذا اقترب التهديد من باب المندب، نكتشف أن البديل نفسه قد يتحول إلى هدف.
وسط هذه البيئة المضطربة، تبرز جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في احتواء أزمات المنطقة ومنع تحولها إلى مواجهات أوسع. فقد حافظت الإمارات على موقف ثابت يدعو إلى خفض التصعيد، والحوار والدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، وحماية الملاحة والتجارة الدولية من تداعيات الصراعات.
كما حرصت الإمارات، حتى في أكثر مراحل التوتر الإقليمي حساسية، على إبقاء قنوات الاتصال والحوار مفتوحة، والمشاركة في الجهود الإقليمية والدولية لتهدئة الأزمات وتقريب وجهات النظر. فالتجربة تثبت أن توسع دائرة الصراع لا ينتج منتصراً حقيقياً بقدر ما يخلق أزمات تتجاوز أطراف المواجهة لتصيب شعوب المنطقة واقتصاداتها ومصالحها المشتركة.
ومن هنا تكتسب الدعوات الإماراتية المتكررة إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد أهمية أكبر. ففي منطقة ترتبط فيها الممرات البحرية بالطاقة والغذاء والتجارة العالمية، قد يبدأ القرار العسكري في بقعة محدودة، لكن آثاره لا تعرف الحدود. ولذلك فإن حماية أمن المنطقة لا تنفصل عن حماية حرية الملاحة واستقرار الأسواق ومنع امتداد الأزمات من ساحة إلى أخرى.
لقد أثبتت التطورات أن معالجة الأزمات الإقليمية لا تكون بتوسيع مساحتها، بل بتضييق دوائرها وإبقاء المجال مفتوحاً للحلول السياسية. وهذا ما يجعل الحوار والدبلوماسية وضبط النفس أدوات قوة حقيقية، خصوصاً عندما يكون البديل سلسلة أزمات يصعب التحكم في مساراتها ونتائجها.
من البحر الأسود إلى البحر الأحمر والخليج العربي، عادت الجغرافيا بقوة إلى قلب السياسة الدولية. لكنها لم تعد فقط جغرافيا حدود وأراضٍ، بل جغرافيا موانئ ومضائق وخطوط أنابيب وسلاسل إمداد. وفي عالم تنتقل فيه الأزمات من بحر إلى آخر ومن ممر إلى اقتصاد كامل، تبدو الحاجة إلى الحكمة السياسية وخفض التصعيد أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
[email protected]
*دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة