ليست كل المسافات تُقاس بعدد الأميال، ولا كل القرب يحتاج إلى رحلة. ثمة مسافات تختصرها أغنية، وأخرى يردمها مشهد على شاشة، وثالثة تكفيها حكاية صادقة كي تسقط الحدود التي صنعتها الجغرافيا وأبقتها اللغة.
ولعل أجمل ما في الثقافة أنها لا تدخل إلينا من باب التعريف، بل من باب الشعور. لا تقول لنا: هذا هو الآخر، انظروا إليه، بل تترك الآخر يروي حكايته بنفسه، فنراه مرة في فرحه، ومرة في خوفه، ومرة في تفاصيل حياته التي تبدو بعيدة حتى نكتشف أنها تشبه تفاصيلنا أكثر مما نظن. بهذا المعنى، كان مهرجان الفيلم الكوري في أبوظبي أكثر من عرض لأفلام من بلد بعيد. كانت كوريا حاضرة بأكثر من وجه، ومن خلال أكثر من حكاية: قصص اجتماعية، وأخرى واقعية، وأعمال تستعيد التاريخ، وأخرى تقترب من الحياة اليومية، إلى جانب التشويق والإثارة. باقة لا تقدم بلداً في صورة واحدة، وإنما تترك للمشاهد فرصة أن يكتشف تعدده، كما هو في الحياة لا كما تختصره الصور النمطية.
وفي الافتتاح، جاءت الموسيقى لتقول المعنى نفسه بلغة أخرى: عازفون من الإمارات وكوريا يعزفون معاً، وكأن الفن لا يكتفي بأن يعرّفنا بالآخر، بل يبحث عن المساحة التي يمكن أن نقف فيها معه.
وكان لافتاً بالنسبة لي أن من يحمل هذه النافذة الكورية إلى الإمارات استطاع، في أشهر قليلة، أن يلتقط شيئاً من روح المكان أيضاً؛ فمديرة المركز الثقافي الكوري لم تكن تنقل ثقافة بلدها إلينا فحسب، بل بدت وقد تشربت شيئاً من ثقافة الإمارات، لتصبح هي نفسها جزءاً من حكاية التلاقي. المركز الثقافي الكوري في الإمارات لا يبدو معنيّاً بتقديم صورة واحدة عن كوريا، بقدر ما يفتح أبوابها من جهات عدة، من السينما والموسيقى إلى اللغة والطعام والفنون والحرف، فيجعل الثقافة جسراً يُعاش لا صورة تُعلّق. وربما هنا تكمن قيمته الأجمل: أن يعرّفنا بكوريا، وفي الوقت نفسه يترك للثقافتين الإماراتية والكورية مساحة كي تكتشف كل منهما الأخرى.
ثم خرجت من صالة السينما وتجولت في منارة السعديات، فتوقفت أمام «مونوكروم 2: الأبيض والأسود» و«سبكتروم». وفهمت أنني أمام صرح ثقافي يبني جسوراً ثقافية دون أن أدرك كم أنني أمام مشهد أوسع لمدينة تجعل الثقافة جزءاً من نسيجها.
هناك، في السعديات، تذكرت أن المدن لا تصبح منارات بما تجمعه من مبانٍ فحسب، بل بما تفتحه من نوافذ. وربما كانت أجمل تلك النوافذ أن ترى ثقافة بعيدة، ثم تكتشف، وأنت تنظر إليها، شيئاً أقرب عن نفسك.
