لم يكن مؤتمر الجمهوريين في دالاس، في التاسع والعاشر من سبتمبر/ أيلول، مجرد محاولة متأخرة لشحذ الهمم قبل انتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني. كان مرآةً لسياسة أمريكية تبدو فيها القوة صاخبة، لكنها ليست مطمئنة إلى نفسها، حزب حاكم يستدعي رئيسه ليملأ الفراغ، ورئيس يحوّل الدولة إلى وعد نقدي، ونائب للرئيس يجرّ الخصومة إلى تخوم التخوين، ومعارضة ترى التشقق في الجدار لكنها لم تعثر بعد على المطرقة التي تهدمه.
في قلب المؤتمر، لم يقف دونالد ترامب ليعد الأمريكيين بتحسين الاقتصاد أو خفض الضرائب أو حماية الحدود، وقف ليعرض شيئاً أقرب إلى عقد نقدي مباشر بين السلطة والناخب: خمسة آلاف دولار لكل أمريكي بالغ، شريطة احتفاظ الجمهوريين بالكونغرس في نوفمبر.
لم يكن الوعد عادياً لا في حجمه ولا في موقعه السياسي. فبحسب التغطيات المتاحة، قد تكون هذه المرة الأولى التي يعرض فيها رئيس أمريكي دفعة مالية شاملة لكل البالغين في سياق نداء انتخابي صريح لحشد التصويت. وهو ليس أول اقتراح نقدي يطرحه ترامب، لكن الجديد في دالاس أنه رفع الرقم، ووسّع دائرة المستفيدين، وربط المنفعة لا بظرف اقتصادي طارئ ولا بتشريع قائم، بل ببقاء حزبه حاكماً للكونغرس.
ترامب ربط الوعد بعائدات الرسوم الجمركية فاقتضى الحساب، وبحساب يقارب 267 مليون بالغ، فإن الكلفة النظرية تقترب من 1.35 تريليون دولار، فيما بلغ صافي ما دخل الخزانة من الرسوم الجمركية خلال الأشهر الأحد عشر حتى أغسطس/ آب نحو 167 مليار دولار، بعد احتساب ردّ أكثر من 125 ملياراً. بالتالي... حتى لو جُمعت هذه العوائد كلها في كيس واحد، لبقي الوعد أكبر من مصدره بأضعاف.
لكن الخلل ليس حسابياً فحسب. فإيرادات الدولة ليست مالاً خاصاً للرئيس، ولا يحق للسلطة التنفيذية أن تسحب من الخزانة العامة تريليونات الدولارات بإعلان من منصة انتخابية، فالإنفاق يحتاج إلى قانون واعتماد من الكونغرس. ثم إن القانون الفيدرالي يجرّم دفع المال أو عرضه مقابل التسجيل أو التصويت في انتخابات تشمل مرشحاً فيدرالياً. قد يقول المدافعون إن ترامب علّق المنفعة على فوز الحزب بصورة عامة، لا على ورقة اقتراع فرد بعينها، لكن ذلك لا يبدد الإشكال: حين يصبح المال العام مشروطاً بنتيجة حزبية، تقترب السياسة من لحظة يصبح فيها صوت الناخب باباً إلى شيك، لا طريقاً إلى عقد اجتماعي.
ولم يكن الشيك وحده رسالة ترامب. طلب من الحاضرين أن يرفعوا أيديهم، وأن يتعهدوا بالتصويت، ثم قال، وهو يخلط المزاح بالتهديد، إن من لا يذهب إلى صناديق الاقتراع «يذهب إلى الجحيم». في ذلك المشهد لم يُطلب من المواطن أن يقتنع، طُلب منه أن يقسم. وبين الإقناع والقسم مسافة هائلة: الأول يفترض حرية الاختيار، والثاني يستدعي ولاء الجماعة وخوفها من التردد.
ثم جاء جي دي فانس ليؤدي دوراً أكثر هدوءاً وأشد خطورة: أن يكتب للترامبية مستقبلها بعد ترامب. فالرجل الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز ورثة الرئيس المحتملين في 2028 لم يناقش الديمقراطيين، أخرجهم من فضاء المنافسة الوطنية. وصفهم ب«حزب الكراهية»، وقال، إنهم «يحتقرون أمريكا» وإنهم قادرون على إيجاد تعاطف مع إرهابيي 11 سبتمبر.
مثل هذا الكلام لا يحتاج إلى غضب كي يُفند، بل إلى قليل من الحقيقة. فالديمقراطيون أيدوا، بأغلبية واسعة، تفويض استخدام القوة ضد المسؤولين عن الهجمات، وقاد أوباما عام 2011 العملية التي انتهت بمقتل أسامة بن لادن. لكن أهمية خطاب فانس ليست في صحة الاتهام، بل في وظيفته السياسية.
أما الديمقراطيون، فقد التقطوا شيئاً من روح المشهد ولم يلتقطوا المشهد كله. حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم قال: إن ترامب استبدل قسَم الولاء للوطن بقسم ولاء لشخصه، وهي عبارة تصيب جوهر المؤتمر. وحاكم إلينوي جي بي بريتزكر قال: إن الاحتفال الجمهوري لا يستطيع ستر حقيقة أن الحزب لم يفعل ما يستحق به أصوات الأمريكيين. لكن ما بين تشخيص نيوسوم ونقد بريتزكر بقيت الرسالة المعارضة موزعة: سخرية صحيحة، وغضب مفهوم، بلا رواية جامعة تخاطب الناخب المتردد بلغته اليومية.
ذلك هو المشهد الأمريكي الآن: ترامب يعرض المال بدلاً من البرنامج، وفانس يعرض الكراهية بدلاً من الحجة، والديمقراطيون يعرضون الاعتراض من دون أن يحولوه بعد إلى وعد كبير يستطيع المواطن أن يرى فيه صورته ومستقبله. وبين هؤلاء جميعاً يغيب الأمريكي الذي لا ينتظر قسماً، ولا يبحث عن عدو، ولا يطلب من السياسة أن تهديه شيكاً مؤجلاً، إنه يريد فقط أن يعرف كيف يدفع إيجار بيته، ويملأ عربة غذائه، ويعالج أسرته، ويضمن أن أبناءه لن يرثوا بلداً أغنى في شعاراته وأفقر في عدالته.
قد يبتلع رجل حزباً.. وقد يملأ حزب قاعة.. لكن الأمم لا تُبنى على مال مشروط ولا كراهية معلنة، إنها تُبنى حين يعود المواطن، لا الزعيم ولا المانح ولا الغاضب، إلى قلب الحكاية.
