لا أحد منّا بمنأى عن تعلّق يتحول إلى حب لأمكنة ارتادها. تلك طبيعة بشرية لا أحد يملك التحكم فيها بشكل حاسم. هذه العلاقة تتولّد من افتقاد الواحد منا شيئاً لا يستطيع تحديده أحياناً؛ ليجد ضالّته هناك. يجد ما يعيد إليه توازنه وسلامه الداخلي الذي كثيراً ما يتسلل أو يتلاشى في خضم الإيقاع السريع لحياة أي منا، أو ربما يسترجع من خلال تواجده في الأمكنة ذكرى أو وجوهاً، وأحياناً قيمة يفتقدها في أماكن قد يكون نشأ فيها واكتسب منها وعيه ومعارفه.
هناك من يدرّب أعصابه على عدم العودة إلى أماكن أحبّها خوفاً من أن تفقد بريقها والقيمة الكبيرة التي تسللت إلى نفسه من دون أن يعرف تفسيراً لكل تلك التركيبة الغامضة. عدم العودة لا يعني بالضرورة انقطاعاً كلياً عن تلك الأمكنة، فقط لا تدمن الحضور فيها. اتركها لفترة من الزمن بحيث تكون كافية لإقناعك بأنك تزورها للمرة الأولى. كأنْ لم تعرفها. ذلك ما يجعلها تحتفظ ببريقها وقدرتها على أسرها لك. سيحضرك من دون شك ابن الرومي إن كنت قارئاً وفياً له ليعزز تلك الفكرة بعد نأي طويل عن مكان أصابك بشغف مُربك. ستقف على مناجاته «إلهي، خذ روحي إلى ذلك المكان الذي يمكن فيه أن أتحدث بدون كلمات».
لسنا وحدنا من نعيد تشكيل الأمكنة التي يطولها حضورنا. الأمكنة لديها تلك القدرة أيضاً على تشكيل وعينا ونفسياتنا وإعادة النظر في بعض قناعاتنا. حتى الزمن يعاد تشكيله واستثماره في أمكنة نحبها، ربما نكون قد قطعنا آلاف الأميال لبلوغها.
حتى ذاكرتنا يعاد تشكيلها وشحذها. ذلك المخزون في ذلك الصندوق السحري يزيد سحراً وتألقاً في ظلها، بل إن الذاكرة تمنح المكان قيمته الكبرى وأثره العميق علينا، وذلك هو تماماً ما ألمح إليه الشاعر الفلسطيني محمود درويش بقوله «بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكان».
ومع كل ما تمنحه الأمكنة تلك من قيمة كبرى وتوازن على أكثر من مستوى، يظل إدماننا على حضورنا فيها محفوفاً بمخاطر انسحاب وتلاشي ذلك السحر الذي لا تفسير له. تماماً كتلاشي السحر في الأمكنة التي نقيم فيها بشكل دائم، وهو ما يدفعنا إلى البحث عن الشغف في أماكن أخرى نتحمّل عناء الوصول إليها لنحظى بجرعتنا التي نحتاج من السحر والشغف وتحقق التوازن الذي ربما نفتقده في أماكننا التي نألف ونعتاد.
وفي ذلك لمحة لم يفوّتها الروسي أنطون تشيخوف «حين لا تحب المكان استبدله. حين يؤذيك الأشخاص غادرهم. حين تمل ابتكر فكرة جديدة. حين تُحبط اقرأ بشغف. المهم في الحياة ألا تقف متفرجاً».
