ليس سهلاً على أي منا أن يتقبّل الفقد. الفقد على مستوييه: أحياء يغادرون إلى عالم آخر؛ وليس أي أحياء. من شاركونا لحظاتنا بكل تناقضاتها: الفرح والحزن؛ الأحلام والأوهام؛ القوة والضعف. ومستوى آخر يرتبط بسوء ينتاب علاقاتنا، والتي يصعب أن تستقر على حال واحدة؛ ولو حدث ذلك نكون قد جنينا على أنفسنا بالرتابة والضجر وتأطير تلك العلاقات بوصفات تذكّر بلحظات أخذ الدواء لعلة لا نعرفها.
الوجوه التي غمرتنا بحضورها البهي؛ تلك التي أغدقت علينا من ماء أرواحها كي لا نجدب ونقع في فخ الجفاف؛ تظل بوصلتنا إذا مسّنا التيه، ودروعنا في مواسم الطعن وكمائن الغدر. تظل تذكّرنا بقيمتنا التي نتناساها تجنّباً لمصادمات تفرض علينا التواضع تحت أي ظرف؛ حتى لو كنا تحت حد السكين.
تذكّر الوجوه تلك وحده مؤلم وجارح. يعيدنا إلى سيرة شفافيتها يوم أن علِقنا في فتنتها الجميلة والمُحبّبة. تذكّرها وهي في الطرف الآخر من العالم يدق جرس النقص من حولنا؛ فكلما غاب وجه منها نتفقّد أطرافنا والروح التي يبدأ نشيجها يدوّي في حيّزاتنا القلقة بعد رحيلهم. يتمادى الشعور باليتم ولو كنا على أبواب الكهولة التي لن تجامل أحداً. مثل تلك المغادرة. مثل ذاك الغياب لا يترك لنا خيار انتقاء بدائل لهم. لا بديل للروح. لا أحد يمل روحه فيبحث عما يشغر مكانها؛ وكأنها رسبت في امتحان مكوثها في أوعية أجسادنا.
وحين تلح من وراء ذلك الغياب تفاصيلها وتفاصيلنا نصاب بحمّى هذا الحضور الناقص. الحضور الذي يلح هو الآخر على أن نخبّئ ما تبقّى منها كي لا يصاب بسوء أمزجتنا وصلافة مجازاتنا وانفعالاتنا التي يبرأ منها الشيطان الرجيم؛ كي لا نكون شركاء في صناعة ذلك الفقد وازدهاره.
والذين نخسرهم في دنيانا كُثر؛ أو ربما خسرونا؛ ليس لأنهم سيئون أو أننا كذلك. هي لحظات تهوّر غبي يصنع تلك القيامة المبكّرة في العلاقات. قيامة فيها تسجير وطيّ وزلزلة وخسف؛ ولا أحد يعير أحداً بعض زمن لاستدراك ما فرّطنا فيه، زمن لا نحتاج فيه إلى التحضير لاعتذاراتنا التي أدمنّا تأجيلها بفعل المكابرة والصلف وهزال البصيرة.
تمسّكوا بالذين صنعوا لحظاتكم الفارقة والجميلة. صنّاع تلك اللحظات نادرون. لا أحد بعقل أو اليسير من العقل يتورط في حماقة التفريط فيهم. أولئك لا يتكررون إلا على الشاشات وأمام الكاميرات «المشخصاتية» على حد تعبير يتكرر في الأفلام قبل طفرة الألوان.
ضعوا حداً للفقد بينكم. الفقد الذي يمكن التحكّم بمساراته في دنيا الناس؛ قبل أن يخرج عن السيطرة بانتقال أطرافه إلى العالم الآخر؛ حيث لا حول لكم فيه ولا قوة.
