الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الصوم صمتاً

17 سبتمبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 17 سبتمبر 00:10 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أول ما عرفه العالم هو الصمت. لاشيء يبعث على الكلام أمام بدائية الخلق والتكوين. ما هو كائن وماثل يقول الكلام اللائق. يقدّم كل ذلك من دون ثرثرة وكلام ضائع. في كل خلق من تلك المخلوقات صمت يقول كلاماً.
قليلون هم الذين يصغون لصمتهم. قليلون هم الذين يُعيرون اهتماماً للصمت. ماذا يعني أن تصغي لصمتك؟ هل ثمة كلام في الصمت يمكن الإنصات إليه؟.
في عديد المواقف يعجز الكلام عن التشخيص والإبانة، فيقوم الصمت بالدور وفي بلاغة لافتة. كل ما تعجز عن وصفه وتشخيصه يتولى الصمت القيام به.
شيء من ذلك القبيل عرّجت عليه التركية أليف شافاك «الشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات لا يمكن إدراكه إلا بالصمت».
نصمت ليس عجزاً عن الكلام، فالكلام يسير والصمت عسير. في الأول قد يقودك إلى إسقاط قيمتك لخلوّه من المعنى. تحشيد لكلمات وإن بدا بينها رابط إلا أنها في الميزان كالهباء. وفي الثاني تعمل الفلترة على الأخذ بك إلى المساحات الآمنة. أن تصغي وأنت متشبث بصمتك يعني أن تكون أكثر قدرة على تجنيب نفسك ما لا قيمة لقوله. سيمنحك صمتك أكثر من قيمة حين تزن من يحاول استدراجك إلى الكلام. أي كلام.
وكما أن للكلام إيقاعه وإن لم تطرب لذلك الإيقاع؛ للصمت إيقاعه اللافت لمن عرف قيمته وأدرك أثره؛ وكأن الكاتب السعودي المدهش محمد الرطيان قد عرّج على ذلك المعنى في أحد تأملاته «لكل شيء إيقاع، حتى الصمت». وإيقاع الصمت يتضح لك أنت باعتبارك صانعه والآخذ به طريقة لتثمين الكلام كقدرتك على تثمين الصمت. ثم إن الصمت لن يخونك، كصديق صدوق، كما قرر كونفوشيوس «الصمت هو الصديق الوحيد الذي لن يخونك أبداً».
ولم يكُ صوم مريم العذراء عن الكلام إلا شاهداً يتضح في المواقف التي يكون فيها المرء عفيفاً نقياً طاهراً ويُراد له أن يكون على النقيض؛ على الرغم من استطاعة الدفع وإلقاء الحجّة؛ لكنه «الصمت» ظل ملاذاً لتأكيد تلك العفة والنقاء والطهْر «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا» «مريم: 26»
وذلك ما انتخبه المتصوفة باتخاذهم الصمت ركناً من أركان توجههم وتجلّيهم؛ بحيث يدرك الغر منهم فحوى «كلّم الناس قليلاً، وكلّم ربك كثيراً»، ليأخذنا سهل التستري في «الرسالة القشيرية»، إلى شرط الخلوة بالتزامه الصمت كي تصح توبته. ويزيد على ذلك القدرة على إدارة الإعجاب «إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم».
ونختم هنا بدعاء لوليام شكسبير «أعان الله الصامتين على ضجيج قلوبهم».
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة