قلت للقلم: أما مللتَ قضايا السياسة وأهوالها؟ فكّر في شيء يخرجنا من هذه البعكوكة، فكل خفاياها مشكوكة. قال: لقد ظفرتَ بسؤْلك. اليوم، ما إن استيقظت حتى لعنت إبليس. أوّل ما تبادر إلى ذهني القوى الباغية الطاغية. لحسن الحظ، في الخاطر صفة من صفات الأسواق، فهو يصلح نفسه بنفسه. لقد اختار منعرجاً ظريفاً.قلت: هاتها من يد الرضا..طُرفةً تُذهب الشجونْ.
قال خطر ببالي السؤال: تُرى هل يتلقى تلاميذ الدول العاتية دروساً في الأخلاق؟ قلت:نعم، إذا كانت الأخلاق بمعنى الثياب البالية. قال: المدرسة مرحلة متقدمة. الطفل يقضي سنواته الست الأولى في المدرسة الأولى، الأسرة، وصدق شاعر النيل:«الأمّ مدرسة إذا أعددتها..أعددت شعباً طيّب الأعراقِ».
الأمهات لا يمكن أن يُنشئن صغارهن على مكاره الأخلاق. هل يعقل أن تحث أم فلذة كبدها على السلب والنهب والقتل والتشريد؟ أيّ أمّ تزرع في نفس طفلها أنّ عليه عندما يكبر أن يسطو على التراب السيادي ويهجّر أصحابه، والأفضل أن يمحوهم من الوجود، حتى لا يبقى لهم صوت أو صدى؟
قلت: طريق فكرتك سالك، بل إن فيه تحويلةً ذات بال. «بضدّها تتبيّن الأشياءُ». ربما لهذا لا تخصص القوى الباغية في مناهجها مساحةً لدروس الأخلاق. أولئك أهل حيطة ومنطق. هم لا يريدون الوقوع في التناقض، أن ينهوا عن أشياء ويأتوا ما هو أشنع، أن يلقّنوا الصغار أن قتل الإنسان جريمة، ولكنهم يمارسون إبادة مئات الألوف بمتعة قنص الطيور وصيد الأسماك.
قال: يتربى صغارهم على أن الحروب التي تفرضها قواهم على الضعفاء،إنما هي لحماية أطفال الهيمنة من أيّ عدوان محتمل ولو في الخيال، فإن لم يوجد، فيجب اختلاقه في سبيل القضاء على المستهدفين. بعدها من السهل الاعتذار بدعوى أن ذلك كان خطأ، ولا وجود لأيّ معترض إلّا وهو خطّاء وابن خطّاء.
قلت:على العالم أن يعيد النظر في فهمه للأشياء، على طريقة ما يعلّمه العتاة لصغارهم، فالتوسعية في «الأتربة» السيادية، تطبيق للاشتراكية بقبضة حديدية، أو رحلات صيد وقنص، فيها دم قطعاً.
لزوم ما يلزم: النتيجة المعجمية: الأخلاق مثل الحضارة والديمقراطية والإنسانية والحقوق، لا معنى لها، إلّا بما تحدده القوة. الأمور تختلف عند تكافؤ القوى.
