تطور السرد الروائي منح القارئ إمكانية التأويل والتوقع والتفسير، وربما تلك عمليات ذهنية يفتقدها القارئ في علاقته مع الرواية الكلاسيكية، إذ إن كل شيء فيها واضح منذ العنوان والمستهل والحبكة إلى النهاية المغلقة المتفقة مع سير الأحداث، فالقارئ يكون مستسلماً ومستمتعاً بالنص في ذات الوقت، فهو يمارس ما يمكن تسميته فن «الاستهلاك المريح»، إذ إن الحبكة تقوم على فكرة التسليم المطلق لسلطة الكاتب والراوي العليم، وكذلك فإن العنوان يحمل دلالة مباشرة، مع تمهيد يتناول خلفية عن الأحداث والشخصيات والفضاء الزماني والمكاني الذي تجرى فيه الوقائع، وذلك ما يترك ذهنية القارئ في حالة من الكسل.
كما أن الرواية الكلاسيكية القديمة كانت تفرد مساحة كبيرة للفعل الوصائي من وعظ وإرشاد، وغير ذلك مما تحمله «رسالة العمل»، إذ إن هذا النوع من السرد كان نتاج الواقع المباشر ورؤية تقليدية للفن والإنسان والعلاقة التي تربط بين الاثنين.
غير أن التقنيات السردية في الرواية «الحديثة» و«الجديدة» غيرت ذلك، فالأولى برزت في بدايات القرن العشرين، بينما أشرقت شمس السرديات الجديدة في الخمسينات منه، وكلاهما نهض على أنقاض السرد الكلاسيكي، إذ تقوم الرواية الحديثة بخلخلة القوالب التقليدية، وإعادة تشكيل وعي الإنسان من خلال التركيز على العمق النفسي، بينما عملت الرواية الجديدة على تفكيك البنية الروائية في ذاتها وتعطيل مفاهيم كانت مستقرة.
تشترك الرواية الجديدة والحديثة في ميزة مهمة وهي إتاحة إمكانية التأويل من قبل القارئ، إذ نقلتا ثقل العملية الإبداعية من المؤلف إلى المتلقي، الذي بات يمتلك الحرية الكاملة في معرفة ما وراء النص، فالسرد الحديث يحفز القارئ ويدفعه إلى تأويل وتفسير المعاني، فالنص بات يفيض بالرموز، ولعل ذلك يبدو جلياً في روايات كافكا وفرجينيا وولف وجيمس جويس، إذ يتحول المتلقي إلى محلل نفسي وربما فيلسوف يناقش قضايا الاغتراب وتشظي الوعي ويغوص في الجوهر الإنساني.
أما الرواية الجديدة، فهي تسير، صوب التأويل، إلى أبعد من ذلك من خلال رفضها وضع أي عمق نفسي، أو معنى فلسفي جاهز، فهي تقف عند حدود وصف الأشياء والزوايا بصورة أكثر برودة، لذلك تكون مهمة التأويل أكثر صعوبة، بل هي متاهة غامضة، فالمتلقي لا يعمل على تأويل ما تقصده الشخصية، لأن الشخصيات تكاد تكون غير موجودة في هذا اللون السردي، إذ إنه يقوم بتأويل «اللعبة البنائية»، فدور المتلقي ترتيب رؤى ومشاهد مبعثرة، إذ إنه هو الذي يقوم بعملية التفسير بعد أن امتنع الكاتب عن ذلك.
