أثرت طبيعة العصر الحديث كثيراً في كيفية القراءة والاطلاع، إذ يبدو أن البحث عن المكانة والأمان الوظيفي والمالي والطمأنينة في عالم متقلب، أضفى واقعاً جديداً على عملية الاطلاع التي تحولت من كونها تثقيفاً ومعرفة إلى «دليل إرشادي»، يبدو كطوق نجاة يقود الإنسان إلى البحث في كيفية التعامل مع الصعوبات التي تواجه حياته اليومية، مما ينزع عن القراءة المتعة والترفيه وتكوين المعارف وزيادة المعلومات والتفكير العميق والتأمل في الحياة والوجود والمصير.
ونتيجة لذلك الواقع نجد أن نوعية الكتب التي كانت تجد الإقبال في السابق نفسها تغيرت، فبعد أن كان القارئ شغوفاً بالأدب والفلسفة والفكر والعلوم، صارت الهيمنة للمؤلفات ذات الطابع الإرشادي مثل كتب التحفيز وتنمية الذات وإدارة الوقت والذكاء المالي، وغيرها من المؤلفات التي باتت تتصدر قوائم الكتب الأعلى مبيعاً لكونها تحمل وصفة جاهزة تجيب عن أسئلة من شاكلة «كيف تصبح ثرياً»، و«البحث عن السعادة»، بينما هُجرت المؤلفات التي كانت تجيب عن أسئلة أكثر عمقاً وموضوعية.
عندما تصبح القراءة بهذه الكيفية، موجهة فقط لحل مشاكل آنية، فهي تحول دون أن يتسلح المرء بالوعي الذي يمكنه من النظر إلى الأشياء بصورة أوسع، وتصبح عملية الاطلاع بما يشبه الواجب المدرسي الذي يجب إنجازه من أجل تطوير المهارات لتزيد من أعباء البشر في هذا العصر، إذ يصبح مبلغ همهم هو النجاح في العمل والمعيشة اليومية، من دون أي اعتبار للجوانب الروحية والعقلية.
وقد يرى البعض أن هذا التحول يحمل استجابة طبيعية لروح العصر وما يسود فيه من قلق وعدم طمأنينة، وذلك أمر صحيح، ولكن تهميش الجانب الروحي والبعد المعرفي والتثقيفي للقراءة من شأنه أن يصنع فجوة فكرية كبيرة لدى البشر بحيث إن هذه العملية سوف تنتج في المستقبل أجيالاً لا تعلم أي شيء خارج إطار تخصصها واهتمامها.
ومما زاد ذلك الأمر سوءاً هو أن التطور التقني والرقمي وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، أسهم في تفشي القراءة السطحية والعابرة والسريعة، وما عاد في إمكان الكثير من البشر الصبر على القراءة وممارسة الاطلاع كعادة يومية إلا بما يخدم هدفاً أو غرضاً محدوداً أو ما يعرف بـ«نفعية القراءة»، خاصة أن وسائل التواصل هذه لم توظف حتى الآن بما يخدم العملية القرائية بصورة كبيرة.
وتكمن خطورة هذه القراءة النفعية في كونها تنتج إنساناً معلباً، أو ذا بعد واحد، فالاطلاع على المؤلفات باعتبارها دليلاً إرشادياً، لا يغير مفهوم القراءة وحدها، بل يعمل كذلك على إعادة تشكيل الوعي البشري ليصبح بالتالي قالباً مكرراً.
