الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الجسد «شايب» والقلم شابّ

2 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 2 أكتوبر 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يقول غابرييل غارسيا ماركيز إنه بدأ الكتابة بمحض الصدفة، وبعد ذلك أخذ يكتب من أجل المتعة، ويكتشف أخيراً أن عشقه للكتابة يفوق حبّه لأي شيء آخر في الدنيا.
في بداياته الروائية والصحفية، يقول ماركيز إنه كان يكتب بيسر أربع أو خمس وحتى عشر صفحات من كتاب بعد أن يكون قد أنهى عمله في الجريدة، أي أنه كان يكتب حتى الثانية أو الثالثة صباحاً.
حين تقدم العمر بماركيز كان يشعر بالسعادة إذا كتب فقرة واحدة جيدة في اليوم، ويقول: «بمرور الوقت تصبح عملية الكتابة مسألة مؤلمة للغاية»، (رائحة الجوّافة، ترجمة: فكري بكر محمود).
ولعلّ الكتابة تصبح مؤلمة مع مرور الوقت في حالة كتابة الإبداع الأدبي (رواية أو شعر)، أما الكتابة الصحفية، وبخاصة كتابة العمود اليومي المنتظم فهي متعة، وكلما تقدم الكاتب في العمر أصبحت متعة الكتابة أيسر وأسهل، لا بل هناك كتّاب عرب ومن العالم في السبعين والثمانين وربما في التسعين من أعمارهم يكتبون بمتعة وسهولة كما لو كانوا في العشرين أو الثلاثين من أعمارهم، الجسد «شايب»، والقلم شاب.
أكثر من ذلك، أن الكتابة بهذه المتعة وبهذا الشغف هي صحة، وربما لو توقف هذا «الشايب» عن الكتابة لتدهورت صحته هذا إنْ لم تكن قد تكالبت عليه أمراض الشيخوخة..
الكتابة ضد الشيخوخة، إنها احتفال يومي بالحياة، شكل من أشكال التفاؤل والطاقة الإيجابية المتجدّدة مع كل مقالة عند كل مطلع شمس..
الكتابة، أيضاً، تعبير حيوي عن الديمومة والتجدد والحركة، كأن نهراً ماثلاً أبداً في جسد الكاتب يمنحه طبيعة الجريان، ونعمة الماء.
الكتابة اغتسال، وتعطّر، وأناقة، ولعلّ القارئ يعرف تلك العادة اليومية الجميلة التي تحدث عنها محمود درويش حين يجلس إلى طاولة الكتابة، فهو يرتدي بدلة وربطة عنق، ويكون في كامل قيافته من رأسه إلى قدميه أمام حضرة الكتابة.
بالطبع، هناك من يكتب وهو على النقيض الكلّي من صورة درويش، لا بل قرأت عن كاتب يطيب له أن يتمدد على بطنه حين يرنّ له جرس الإلهام، فيكتب على ذلك النسق الأفقي الانبطاحي.
الكتابة أيضاً بمعناها الكلاسيكي العريق هي قلم الحبر، والدواة، والورق، هي المكتب والإضاءة والنظافة، في حين أن بعض الكتّاب اليوم فقدوا القدرة على مسك القلم بشكل جيّد، لأن أصابعهم اعتادت على مفاتيح الصف الطباعي الكمبيوتري، وأصبحت مدجّنة لتلك الآلة الصامتة الباردة.
الكتابة حرّية، الكتابة زواج القلم بالورقة، وذكاء الإنسان البشري الآدمي، وهو يصنع القصيدة واللوحة والرواية والمسرحية والقصة التي هي قصة الحضارة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة