الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لا ديك ولا طاووس

27 سبتمبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 27 سبتمبر 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
عاش الشاعر والمترجم المصري محمد عيد إبراهيم أعواماً قليلة في الإمارات، لكنه ترك الكثير: الطيبة وبياض القلب، والهدوء الذي يتناقض أحياناً مع طبائع الشعراء، فالكثير منهم أو بعضهم صاخب، خشن السلوك والكلام، هذا عدا عن عرف الديك الذي يضعه بعضهم على رأسه، والبعض يلبس ريش الطاووس، وثمة آخرون يشبهون النسمة، الواحد منهم القطة تأكل عشاءه، ولا تكاد تشعر بأي ثقل أو كآبة إذا جلس أحدهم أمامك أو جوارك. شعراء فيهم طبائع الماء وأرواح الطيور، وكان محمد عيد إبراهيم واحداً من هؤلاء. يغطيه هدوؤه من رأسه إلى قدميه، وإذا أقبل عليك تسبقه ابتسامته. مصري من أولئك الصعايدة أولاد البلد، وفيه بداوة جميلة على مدنية معاصرة، على فلاحية ريفية لا يعرفها إلا من عاش في قرية، أو بعيداً هناك في الضواحي، بعيداً عن بهرجة المدينة وذكائها الاصطناعي.
عمل محمد عيد إبراهيم في وزارة الثقافة في الإمارات، وقدّم للثقافة الإماراتية مجموعة قصائد لبورخيس نقلها إلى العربية بعنوان «النمر الآخر»، وصدرت عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في عام 2009، وقبل أن يأتي إلى الإمارات التي أحبّها وأحب بيئتها الثقافية النظيفة كان مديراً تنفيذياً في المشروع القومي للترجمة في المجلس الأعلى للثقافة في مصر.
محمد عيد إبراهيم لم يكن مترجماً حرفياً وصاحب رؤية جمالية في مسألة النقل من لغة إلى لغة فقط، بل هو شاعر له اعتباريته الأدبية المصرية والعربية.
تذكرت محمد عيد إبراهيم، الجميل الوديع، الذي أكاد لا أسمع صوته حين كان يتحدث ذلك الحديث الخالي تماماً من المبالغة والانتفاخ والتنظير، لا غضب، ولا نرجسية، ولا ادّعاء. فقط محمد عيد إبراهيم.
وفي العادة حين أتذكر شاعراً أو روائياً أو مترجماً أعود إلى كتبه، ومحمد عيد إبراهيم موجود في الكتب التي وضعها على مهل ودقة وتركيز، تماماً مثلما تصنع النحلة خلية العسل.
أتوقف قليلاً في ترجمته الراقية لبورخيس في رؤيته للكتابة، وهو يقول لا تكتب كلمة غير سوية أو مهجورة أو تثير العجب، فسوف ينكسر القانون ويتشتت انتباه القارئ. ويقول: حسبك أن تكتب حين تحسّ بالضرورة، لا ينبغي أن تقترف خطأ، ففي عالم الكتابة لا يسعفك أحد. ويقول بورخيس أيضاً: نكتب ما نقدر عليه. المهم أن يبقى للمرء بضع صفحات من كل ما كتب.
بقي من محمد عيد إبراهيم الكثير من الصفحات، ويا ليت أن بعض الشعراء يتعلمون من بورخيس ماهية الكتابة، لكن عليهم قبل ذلك أن ينزعوا من أجسادهم عُرف الديك، وريش الطاووس.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة