الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

وشهد شاهدٌ من أهله

2 أكتوبر 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 2 أكتوبر 00:18 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يكن العالم بحاجة إلى فيلم جديد كي يُعرِّف أن غزة دُمرت، ولا إلى شاشة سينما ليرى أطفالها تحت الركام. هذه الصور خرجت من القطاع طوال سنوات الحرب، والأطباء تحدثوا، والصحفيون كتبوا، والناجون رووا حكاياتهم.
لكن فيلم «نازا ـ NAZA» فعل شيئاً مختلفاً، نقل الكاميرا من الضحية الى المنظومة التي تتخذ القرار. فالذين يتحدثون هذه المرة ليسوا فلسطينيين يصفون ما جرى لهم، بل أشخاص خدموا داخل الجيش، وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ويتحدثون عن الآليات التي تسبق الضربة.. المراقبة، جمع المعلومات، اختيار الهدف، تقدير عدد المدنيين الموجودين حوله، ثم اتخاذ القرار.
إنها محاولة سينمائية للنظر إلى الحرب لا من مكان سقوط القنبلة، بل من الغرفة التي سبقت سقوطها. حتى العنوان (نازا) لم يأتِ صدفة، هو كلمة صغيرة تحمل خلفها سؤالاً كبيراً. نازا هو اختصار عسكري تستخدمه الاستخبارات الإسرائيلية للإشارة إلى تقدير عدد المدنيين المُتوقع مقتلهم في غارة جوية. بكلمة أخرى «نازا» تعني الموت قبل أن يحدث، ويتحول الى رقم. قد يكون: رجلاً، امرأة، طفلاً، عائلة بأكملها، ثم يوضع الرقم أمام مُتخِذ القرار. وهنا يطرح الفيلم سؤاله الأخلاقي الأكثر إزعاجاً: ماذا يحدث للإنسان عندما تتحول حياة المدنيين داخل النظام العسكري إلى بيانات وحسابات واحتمالات؟
الفيلم من إخراج الصحفيين الإسرائيليين يوفال إبراهام، وراشيل زور، وهما من الفريق الذي صنع الفيلم الوثائقي الحائز على الأوسكار «لا أرض أخرى». في فيلم «نازا» استغرق العمل ثلاث سنوات، وصُوّر جزء كبير منه سراً. ويستند إلى شهادات 24 شخصاً من داخل الجيش والاستخبارات الإسرائيلية، مع حماية هويات عدد منهم.
وتقول صحيفة «الغارديان»، المشاركة في إنتاج الفيلم، إن العمل يستند إلى سنوات من التحقيقات الصحفية والشهادات السرية، وإن جزءاً من المعلومات التي توصل إليها صانعوه سبق نشره في تحقيقات مع مجلة Magazine 979، وموقع Local Call.
الفيلم لا يعتمد على صور الجثث والدمار لاستثارة المشاهد، بل يحاول تفكيك الآلة التي تسبق الدمار. كيف يتم التخطيط: بمراقبة الناس، وتحويل المعلومات إلى أهداف، وكيف تدخل الخوارزميات والذكاء الاصطناعي إلى عملية الاستهداف؟ ومن الذي يقرر في النهاية أن الخسائر المدنية المتوقعة مقبولة لتنفيذ الضربة؟
أعتبر الفيلم أن تدخل الخوارزميات يُعتبر واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق، هي تسخير التقدم التكنولوجي والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في معالجة كميات ضخمة من المعلومات والمساعدة في تحديد الأهداف. الفيلم لا يصوّر آلة مستقلة تضغط زر إطلاق الصاروخ، بل منظومة يعمل فيها الإنسان إلى جانب المراقبة الرقمية والبيانات والخوارزميات، وهذا فارق مهم. لأن السؤال الذي يطرح نفسه ليس: هل أصبحت الآلة تقتل الإنسان؟ بل: هل جعلت التكنولوجيا عملية القتل أسرع وأكثر بعداً عن الإنسان الذي سيدفع ثمن القرار؟
من خلال شهادات المشاركين، يرسم الفيلم صورة لمنظومة تستطيع أن تعرف، أو تقدّر وجود مدنيين داخل مبنى أو بالقرب من هدف قبل تنفيذ الضربات. ويؤكد الفيلم أن بعض الضربات نُفذت على الرغم من توقع سقوط أعداد كبيرة من المدنيين. لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت هذا الفيلم الذي عرض في مهرجان البندقية في 10 سبتمبر/ أيلول 2026، وعند انتهاء العرض استمر التصفيق له نحو 25 دقيقة. ثم حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالمهرجان. وفي نفس اللحظة التي كان فيها الفيلم يحصد التصفيق في البندقية، كانت عاصفة أخرى تبدأ داخل إسرائيل.
هاجم رئيس الوزراء نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون الفيلم وصانعيه، ووصفوه بأنه مُضّلِل، ومُسيء إلى إسرائيل. وذهب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار، إلى الحديث عن إجراءات تتعلق بسحب جنسية المخرجين، فيما ظهرت دعوات للتحقيق في تسريب معلومات سرية. وهكذا تحوّل فيلم وثائقي مدته نحو ثمانين دقيقة إلى قضية سياسية.
الغضب الإسرائيلي جاء لأن الكاميرا هذه المرة ليست فلسطينية تتهم إسرائيل، ولا منظمة دولية تكتب تقريراً عنها، ولا صحفياً أجنبياً يقف أمام أنقاض غزة.. هي كاميرا من أهله والشهود من أهله. كل الشهادات كانت من إسرائيليين خدموا داخل المؤسسة العسكرية الاستخباراتية نفسها. ولهذا كان الغضب أكثر والسؤال أصعب: كيف ترد الحكومة على شهادة خرجت من داخل البيت الإسرائيلي؟ خرج شاهد من أهله ليقول: حرب إسرائيل اليوم جعلت الإنسان رقماً، والمدنيين مجرد «خسائر جانبية».
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة