الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين يحكم التطرف

11 سبتمبر 2026 00:38 صباحًا | آخر تحديث: 11 سبتمبر 00:39 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ربما تكون أخطر حقيقة تكشفها تجارب التاريخ هي أن التطرف حين يحكم لا يستطيع أن يعيش بلا عدو. فالمُتَطرِف يحتاج دائماً إلى شخص يخاف الناس منه، وإلى آخر يستطيع أن يقول لأتباعه: لولا هؤلاء لكنا بألف خير. وإذا اختفى العدو، يصنعُ عدواً جديداً.
لهذا لا تكون المأساة الكبرى عندما يظهر التطرف في الشارع، بل عندما يصل الى الحكم. ففي الشارع يملك المتطرف خطاباً، أما في السلطة فيملك قانوناً وشرطة وجيشاً ومؤسسات ومنابر عامة. وما كان بالأمس فكرة غاضبة يمكن رفضها، قد يصبح غداً قراراً نافذاً يُحدّد من يملك الحق، ومن يُقصى، ومن يعامل باعتباره خطراً.
بالعودة الى التاريخ نجد أنه مليء بدول بدأت رحلة التطرف تحت شعار إنقاذ الوطن، ثم اكتشفت أن الوطن أصبح الضحية. الثورة الفرنسية 1789 رفعت كلمات بدت كأنها إعلان ميلاد لعصر جديد: الحرية، المساواة، المواطنة. لكنها دخلت لاحقاً مرحلة الخوف. حرب في الخارج، مؤامرات في الداخل، صراع على السلطة، وشك في كل ما لا يبدو ثورياً. وخلال «عهد الإرهاب» بين 1793 -1974أصبح الاشتباه السياسي كافياً كي يقود صاحبه إلى المحكمة الثورية والمِقصَلة. وامتدت آلة التطرف التي تجاوزت الخصوم، الى مرحلة بدأ فيها الثوار يتهم بعضهم بعضاً. التطرف لا يكتفي بانتصاره على عدوه، بل يحتاج بعد كل انتصار الى عدوٍ جديد. لأن وجود العدو جزء من مبررات بقائه.
أما خلال الحروب الدينية، بين الكاثوليك والبروتستانت 1568-1648، فهي لم تكن حرباً دينية خالصة، لكنها كانت تُظهر كيف يحوّل امتزاج التطرف الديني بالصراع على السلطة الى عقود من الدم والخراب. فقد حاولت الملكية الإسبانية الكاثوليكية قمع البروتستانتية، وأثار الاضطهاد الديني اعتداءات بروتستانتية على الكنائس. استمرت هذه الحروب ثمانين عاماً وتجلى فيها التطرف حين تحوّل الاختلاف الى مُبرر للاضطهاد والقتل. صار المذهب تهمة والإيمان ذريعة للعنف. لم تبدأ المذابح بالمذابح، بل بالخطاب المتطرف، حيث الآخر يبدأ بكونه «خطراً» ثم «عبئاً» ثم «خائناً» ثم «عدواً». ثم تصبح محاربته دفاعاً عن الوطن. هذه الوظيفة الأخطر للخطاب المتطرف، نزع إنسانية الآخر قبل نزع حقوقه.
العِبَر التاريخية هنا ألا تذكرنا بما نراه على الشاشات اليوم؟ في نظرة الى التحولات التي شهدتها إسرائيل منذ أواخر 2022، نجد أن صعود اليمين ليس هو المشكلة، فالحكومات تتناوب بين اليمين واليسار. لكن هناك فرق بين اليمين المحافظ، واليمين القومي والديني المتطرف الذي يرى الصراع باعتباره صراع هوية ووجود وأرض وحق تاريخي مطلق.
إن صعود إيتمار بن غفير وسموتريتش إلى مواقع مؤثرة في الحكومة الإسرائيلية لم يكن مجرد تبديل أسماء وزراء. لقد عبّر عن انتقال أفكار كانت تقف سابقاً على أطراف المشهد السياسي إلى داخل مركز القرار. ومع هذا التحول لم يعد الصراع فقط حول حدود دولة فلسطين، أو شروط اتفاق سياسي، بل حول قضايا أعمق: المستوطنات، وضم الأراضي، وحقوق الفلسطينيين، ومستقبل الضفة الغربية، وعلاقة القومية بالدين، وحدود سلطة القضاء أمام الأغلبية السياسية.
والسؤال الأخطر ماذا يفعل الحكم المتطرف بالمجتمع الإسرائيلي نفسه؟ المعتدل هنا لا يكون خصماً، بل «عبئاً» و«عدواً» وهكذا تبدأ الدائرة الأكثر خطورة. كلما ازداد الخطاب الإسرائيلي تطرفاً، تقل قدرة الفلسطيني المعتدل على إقناع مجتمعه بأن السياسة والتفاوض يمكن أن يحققا شيئاً. وهنا يبدأ المُتشدّد الإسرائيلي بالعنف وبالابتزاز بهدف خلق عدو مُتشدّد جديد كي يبرّر تطرفه.
وإذا نظرنا إلى أمريكا اليوم نجد أن التطرف تمادى بحيث حوّل الخلاف السياسي الى صراع هوية. ولم يعد السؤال: ما السياسة الأفضل لأمريكا؟ بل أصبح من هو الأمريكي الحقيقي؟ عندما يصبح المهاجر أكثر من مشكلة سياسية ويُقدّم باعتباره تهديداً لهوية الأمة، وعندماً تصبح الصحافة «عدواً» والقاضي الذي يُعطِل قراراً حكومياً عَقبة، والجامعة خصماً أيديولوجياً. والمُعارِض ينبغي نزع الشرعية عنه. هنا يتحول الخلاف من السياسة الى الهوية.
العالم ليس لوناً واحداً، نحن نعيش في أكثر مراحل التاريخ اختلاطاً. لذلك فمحاولة فرض حكم مُتَطرِف بالقوة على مجتمع مُتعدّد لا تلغي التنوع، بل تحوّله الى صراع. التاريخ يعيد نفسه ليحذرنا من أن التطرف إذ حكم: يضيق الوطن فلا يتسع إلا لمن يشبه الحاكم، يختنق في ضيقه صوت المعتدل، وتتسع أبواب الإرهاب.
[email protected]
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة