الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

البلطيق.. برميل بارود

4 أكتوبر 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 4 أكتوبر 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
على ضفاف بحر البلطيق، تتقاطع خرائط القوة مع هواجس الحرب، وتعود ظلال الحرب الباردة إلى مشهد أوروبي شديد الحساسية، فالتصعيد حول جيب كالينينغراد، وتزايد رسائل الردع بين روسيا والغرب، يضعان المنطقة أمام معادلة دقيقة يتداخل فيها العسكري بالجيوسياسي، فيما يضيق هامش الخطأ مع حضور السلاح النووي في الحسابات الاستراتيجية.
يبدو المشهد الراهن أكثر تعقيداً، وأقل احتمالاً للانضباط إذا غابت قنوات الحوار وتراجعت القدرة على احتواء التصعيد، فحول جيب كالينينغراد، ينتقل التوتر من الخطاب السياسي إلى واقع ميداني يفرض على الأطراف احتساب تداعيات الخطوة، وتستحضر اللحظة، وإن اختلفت الظروف، أجواء أزمات برلين وممراتها خلال الحرب الباردة، حين كادت الحسابات المتعارضة بين القوى الكبرى تدفع العالم إلى مواجهة مباشرة.
كالينينغراد تمثل لروسيا موقعاً متقدماً على بحر البلطيق، وقاعدة استراتيجية لحماية المجال البحري وردع الخصوم وتأمين اتصالها العسكري بالمنطقة، وفي المقابل، يراها الغرب نقطة ضغط حساسة في منظومة الأمن الأوروبي، لقربها من دول الحلف وإمكان تأثيرها في الممرات البحرية والبنية العسكرية الإقليمية، لذلك تحظى بمتابعة واستعدادات متزايدة، بوصفها عقدة جيوسياسية مؤثرة في توازنات القوة والأمن بين موسكو والغرب.
المخاطر هنا لا تقتصر على مواجهة تقليدية، فالحرب السيبرانية والعمليات الهجينة والطائرات المسيّرة وأعمال التخريب أصبحت جزءاً من بيئة أمنية يمكن أن تحوّل حادثة محدودة إلى أزمة أوسع إذا تزامنت مع سوء تقدير سياسي أو عسكري.
الأكثر خطورة أن الردع النووي، الذي كان خلال الحرب الباردة جزءاً من معادلة لمنع الحرب المباشرة، بات حاضراً في الخطاب السياسي والعسكري، فيما تكمن أقصى درجات الخطورة ليس فقط في احتمال استخدام السلاح النووي، وإنما في توسيع مساحة التهديدات المتبادلة؛ بحيث يصبح عنصراً في إدارة الأزمات والضغط السياسي بدلاً من بقائه في أقصى درجات الردع.
لكن المقارنة مع برلين لا ينبغي أن تحجب اختلاف اللحظة التاريخية، فقد كانت الحرب الباردة تقوم على نظام ثنائي واضح نسبياً، وقنوات اتصال وأطر تفاوضية مستقرة، بينما يتحرك المشهد الحالي داخل منظومة دولية أكثر تعدداً، تتشابك فيها القوى النووية مع النزاعات الإقليمية والحروب بالوكالة والتقنيات العسكرية الجديدة، وهذا يجعل خطر سوء التقدير أكثر تعقيداً، لأن الأزمة قد تبدأ بحادث أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر.
يزداد الخطر رويداً حين تتراجع الثقة، وتتقلص قنوات الاتصال، وتصبح الإشارات العسكرية عرضة لتفسيرات متناقضة قد تدفع الأطراف إلى خطوات يصعب التراجع عنها، لهذا تبدو الحاجة إلى قنوات اتصال فعالة وإدارة للأزمات أكثر إلحاحاً، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يذكّر بأن أخطر لحظات الصراع تبدأ عندما تضيق مساحة الحوار وتتسع مساحة الافتراضات.
وعلى حافة البلطيق، لا يتعلق السؤال فقط بالقدرة العسكرية؛ بل بمنعها من التحول إلى مواجهة لا يريدها أحد. وفي عالم تمتلك فيه القوى الكبرى ترسانات قادرة على تغيير مصير القارة خلال دقائق، قد تكون الحكمة السياسية وقنوات التواصل آخر خطوط الدفاع قبل أن يتحول شبح برلين إلى واقع جديد.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة