الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إقليم «الهُدن» والتفاوض الغائب

4 أكتوبر 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 4 أكتوبر 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تبدو منطقة الشرق الأوسط، في اللحظة الراهنة، أكثر حاجة إلى التفاوض، وأقل استعداداً له في الوقت نفسه، فمن فلسطين ولبنان والسودان والعراق واليمن، ومن المواجهة مع إيران إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، تتعدد ساحات الصراع وتتشابك، بحيث يصبح احتواء إحداها إجراءً مؤقتاً لا يحول بالضرورة دون انتقال التوتر إلى ساحة أخرى، ومع ذلك، فإن الجهود الدبلوماسية تتحرك بصورة جزئية، وغالباً بعد اقتراب المواجهات من حافات خطرة، بهدف لجم التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة.
وعلى الرغم من اشتداد العداء بين الخصوم، فإن الاتصالات موجودة والوساطات قائمة، وربما توجد كثافة في الرسائل المتبادلة والاجتماعات الأمنية والمفاوضات غير المباشرة، لكن كل هذه الحركة لا تعني وجود تفاوض سياسي استراتيجي جدي، فثمة فرق جوهري بين الاتفاق على قواعد أمنية وإجرائية محددة، وبين مناقشة الأسباب الكبرى لحالة الاستعصاء القائمة.
منذ سنوات، يسود منطق الهُدن في علاقات الأطراف الأساسية فيما بينها، لكن هذا المنطق لا يقوم على اعتراف الخصوم بمصالح بعضهم، ولا على اتفاقهم على قواعد ثابتة يديرون من خلالها خلافاتهم، ويستثمر الجميع في التصعيد الإعلامي ضد الآخرين، ويرسل هذا التصعيد رسائل جدية، تظهر أن الهدف هو إلغاء الآخر، في الوقت الذي تفترض الجغرافيا والتاريخ والمصالح منطقياً أن أمن واستقرار الإقليم قضايا تخصّ الجميع، وأن التعامل معها مسألة عقلانية لا علاقة لها بالرغبات والأمنيات، ولا حتى بحسابات قوة مؤقتة عند هذا الطرف أو ذاك.
تكمن خطورة الهدن، إذاً، في تحولها من جسر نحو السياسة إلى بديل دائم عنها، فهي بإمكانها أن تجمّد بعض مظاهر الصراع، لكنها تترك بنيته قائمة، وقد تمنح الأطراف وقتاً لترميم قدراتها وتحسين مواقعها قبل الجولة التالية، لكنها بدلاً من أن تكون بداية للخروج من الحرب، تصبح جزءاً من دورتها، التي تبدأ بالتصعيد فالوساطة وصولاً إلى الهدنة، ثم الانفجار مرة أخرى.
ترتبط هذه الحلقة باقتناع عدد من القوى بأن الحرب لا تزال الوسيلة الأكثر فاعلية لإعادة تشكيل المنطقة، فكل طرف يحاول تعديل موازين القوى على الأرض قبل الذهاب إلى التفاوض، لكن هذه القناعة تغفل مخاطر تحوّل كل المنطقة إلى دول حرب بشكل مباشر أو غير مباشر.
وعلى الرغم من هذا الواقع الدرامي للشرق الأوسط، فإن الدرس التاريخي يقول إن الانتقال من الهدن إلى التسويات ليس مستحيلاً، فقد خرجت أوروبا من الحرب العالمية الثانية مدمرة ومثقلة بتاريخ طويل من الصراعات، لكنها انتقلت تدريجياً إلى بناء مؤسسات جعلت المصالح الاقتصادية والسياسية متداخلة، ورفعت كلفة العودة إلى الحرب. وخلال الحرب الباردة، أثبت مسار هلسنكي أن التفاوض لا يتطلب انتهاء الخصومة الأيديولوجية، بل يمكن للخصوم الاتفاق على قواعد لإدارة الأمن وبناء الثقة مع استمرار تنافسهم.
وفي جنوب شرق آسيا، جاء تأسيس رابطة «آسيان» عام 1967 بعد صراعات ومواجهات وتدخلات خارجية، ولم تبدأ الرابطة بوصفها حلاً نهائياً، بل كانت إطاراً تدريجياً للتعايش وعدم التدخل وتسوية الخلافات سلمياً، كما أطلق مسار «إسكيبولاس» في أمريكا الوسطى، خلال ثمانينات القرن العشرين، انتقالاً من الحروب الأهلية والتدخلات الخارجية إلى عمليات سياسية ربطت وقف القتال بالمصالحة ووقف دعم الجماعات المسلحة.
تظهر هذه الأمثلة من تاريخ القرن العشرين أن التسويات التي كانت تبدو مستحيلة في نظر الخصوم تصبح ممكنة في حال توافرت لها عوامل ذاتية وموضوعية، وفي مقدمة الشروط الذاتية الوصول إلى قناعة بأن الحسم العسكري الكامل غير ممكن، وأن كلفته أصبحت أعلى من مكاسبه، بالإضافة إلى وجود قيادات قادرة على تقديم تنازلات وتحمّل تكلفتها، والانتقال من خطاب العداء وإلغاء الخصم إلى الاعتراف بوجوده ومصالحه التي لا يمكن محوها بالقوة، أما الشروط الموضوعية، ففي مقدمتها قيام توازن يمنع أي طرف من الانفراد بفرض النظام الإقليمي، ووجود ضمانات دولية وإقليمية، وآليات لمراقبة التنفيذ، ومصالح اقتصادية مشتركة تجعل انهيار التسوية مكلفاً للجميع.
إذا بقي الشرق الأوسط محكوماً بمنطق الهدن، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يدخل في استنزاف طويل لن يكون فيه منتصر حقيقي، وما سيجري فعلياً هو استهلاك الموارد في التسلح وإعادة بناء ما تدمره الحروب، وستُرحّل مشاريع التنمية، وتتراجع فرص التعليم والعمل، وتتوسع الهجرة، فيما تتحول الموازنات من الاستثمار في الإنسان إلى تمويل الأمن وإدارة الكوارث.
لقد أثبت القرن العشرون أن الأقاليم الأكثر عنفاً ليست بالضرورة محكومة بالحرب إلى الأبد، كما أثبت أن السلام لا يأتي فقط من الإنهاك الذي يصيب الجميع، وإنما من القدرة على تحويل تعذر الحسم العسكري إلى مشروع سياسي، وإذا لم تظهر في الشرق الأوسط إرادة تحمل هذا المشروع وتبني له مؤسساته وضماناته، فسيبقى الإقليم بلا طاولة تفاوض حقيقية، وستظل الهدن فواصل قصيرة بين الحروب، بينما يدفع الجميع الثمن من الموارد والتنمية ومستقبل الأجيال.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة