استطاع الفنانون الإماراتيون المعاصرون أن يطوعوا التيارات والمدارس الفنية الحديثة وما بعد الحديثة على مستوى الفنون التشكيلية في خدمة التراث والبيئة المحلية، والتعبير عنها وفق تبني هذه الاتجاهات وتوظيفها بصورة واعية بطريقة يظل معها الموروث حاضراً وفاعلاً في حماية الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية والاجتماعية في زمن العولمة التي تعمل على إذابة تلك الخصوصيات وصهرها في فن واحد.
وفي هذا الشأن قدم الفنانون في الدولة أعمالاً عملوا عبرها على استيعاب المعاصرة وصون الموروث في تكوينات ولوحات وأعمال خطية تحتشد بالجماليات وتنهض برافعة الرؤى الفكرية، بحيث يصبح وراء كل عمل فكرة، والهدف هو تحويل الموروث إلى سجل بصري خالد وحي وذاكرة تتناول كل عناصر البيئة المحلية، من خلال رؤية فلسفية تغوص في عمق الأشياء والظواهر وتنعش الوعي الجمعي وتصنع قنطرة إبداعية توصل بين الحاضر والماضي وتستشرف المستقبل.
ومن أبرز مجالات الإبداع الذي نال اهتمام الفنانين الإماراتيين بشكل خاص وعملوا على توظيفه فن «التجهيز في الفراغ»، وهو نوع من الفنون المعاصرة التي تحول الفراغ الثلاثي الأبعاد إلى عمل فني متكامل يتفاعل معه المشاهد، من خلال العمل على إعادة صياغة عناصر ومفردات البيئة المحلية مثل سعف النخيل والأواني الفخارية، والتعبير عنها بصورة تحفظ من قيمتها فهي خزانة من الذكريات وسرديات الماضي، وتستدعي هذه التراكيب في فكرتها الأساسية القيم الاجتماعية الأصيلة مثل الترابط الأسري والكرم، وتدعو لاستمرارها، وهو الأمر الذي يمنح المواد المحلية والتراثية أبعاداً معاصرة وحداثية.
وكذلك نلاحظ ذلك الانخراط على مستوى الاشتغال في مجال الحرف اليدوية النسائية كما يظهر في فن «التلي»، وهو حرفة يدوية إماراتية تقليدية تعتمد على لف ونسج عدد من الخيوط المختلفة وتضفيرها، إذ يتم تلوينها وإضافة نقوش هندسية ونباتية إليها بصورة تحاكي الأزياء القديمة، وصاغ المبدعون في مجال هذه الحرف اليدوية العديد من الابتكارات بفكرة تقديم التراث بشكل جديد ومبتكر، وبطريقة تُعرّف الآخرين في كل أنحاء العالم بجماليات الموروث الإماراتي.
وتعززت هذه الاتجاهات الجمالية في مجال التراث بظهور الثورة التقنية وكذلك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وكل هذه المنجزات تم توظيفها هي الأخرى داخل منظومة هذا الفعل الإبداعي الذي يهدف إلى إعادة الحكايات والفنون الأدائية القديمة عبر تجارب فنية أكثر حيوية وتفاعلية لتصون الذاكرة من الفناء والتواري خلف قيم وموضة العصر، ولعل توظيف هذا الفعل الجمالي للتكنولوجيا قد نجح إلى حد كبير في جذب الأجيال الجديدة نحو التراث.
