الواقعية السحرية التي انتشرت في الكتابات الأدبية العربية مصطلح كولومبي إذا أردنا تحديده في روايات ماركيز بشكل خاص، ولكن من يقرأ روايتي «تغريبة القافر» لزهران القاسمي، و«سيدات القمر» لجوخة الحارثي لن يخالطه أدنى شك بأن مصطلح الواقعية السحرية يجب أن يكون عُماني النشأة والتكوين، بل لا تكاد تمر على نص سردي عماني إلا وفيه سحر، السحر الواقعي برجاله وتعاويذه ورُقاه، والسحر الأدبي الذي ينمو في لغة الرواية أو القصيدة، فالسحر أيضاً موجود في الشعر كحالة أسطورية أو أنثروبولوجية، أما الشعر في حد ذاته، فيبدو حالة سحرية، لغوية، أو أدبية، أو جمالية تضاهي، أحياناً، سحر الرجال والنساء.
يقول الشاعر محمد الحارثي في كتابه الممتع «عين وجناح»، «ينقسم السحر في الذاكرة الشعبية في عمان إلى مدرستين: العُلّام، والظلّام، فقد اشتهر العلامة جاعد بن خميس بمعرفته الصوفية، وبقدرته على اجتراح الخوارق، كأن يرسم خطاً على الرمل ثم يطلب من أحدهم أن يجتازه فيجد نفسه بلمحة عين في زنجبار».
وأتخيل الآن محمد الحارثي وهو يقع على ظهره من الضحك وهو يكتب هذا الكلام الذي لا يدخل المخ كما يقولون، ولكن تلك هي الحقيقة الشعبية في الكثير من الأدب العماني الذي لا ينسى شخصية الساحر بوصفه جزءاً من الثقافة الشعبية في بيئة حكائية .
بطل الرواية في «تغريبة القافر» يرهن الصخرة الملساء الصمّاء بمعجون من الثوم الذي يساعد على تفتيتها، وبالتالي، ينفجر منها الماء، وأظن أن الروائي لم يتخيل أو يخترع هذه العملية الغرائبية من دماغه، بل هي معتقد شعبي سائد بين المزارعين وأصحاب أفلاج الماء في عمان.
في رواية «سيدات القمر» شخصية نسائية عجيبة هي مثال آخر على الواقعية السحرية العُمانية، تلك السيدة هي «داية»، أي المرأة التي تساعد على ولادة النساء وإخراج الجنين من الرحم.. انظر ماذا تفعل تلك السيدة واسمها «عنكبوتة»:«أدخلت عنكبوتة كامل يدها في عنق الرحم وسحبت الجنين المزرقّ وصفعته عدة صفعات حتى انبعثت فيه الحياة، فحنّكته بتمرة، ثم دفنت المشيمة أمام مدخل البيت بعدما نثرت عليها الرماد والملح، فرشت الرمل الناعم تحت ظريفة «المرأة الوالدة». سقتها الحلبة بالسمن، وضعت سكيناً عند رأسها لإبعاد السحر عنها، ثم ذهبت إلى بيتها لتنام».
ليس السحر وحده ثيمة أدبية ثقافية في الأدب العُماني، بل هناك الحضور الآخر لشخصية الجنّي الذي يفعل «الفعايل»، فهو مثل ذلك الخط الذي يرسمه جاعد بن خميس على الرمل، فإذا اجتازه أحدهم، وجد نفسه في زنجبار.
والآن، أيهما أكثر غرابة وشعرية وأسطورية: سحر غابرييل غارسيا ماركيز، أم سحر محمد الحارثي؟
