لم يقدّم شعبٌ، في التّاريخ المعاصر، نظيرَ ما قدّمه شعبُ فلسطينَ في غزّة من فائض التّضحيّات، ولا عَرَض لشعبٍ من هوْل الآلام وشديدِ المعاناة ما عَرَض له في غزّةَ والضّفّة الغربيّة، بما فيها القدس، في السّنوات الثّلاث المنصرمة.
محرقةُ غزّة أمُّ المحارق وأضخمُها في التّاريخ. عى ذلك شهود من مئات الملايين من النّاس ممّن تابعوا فصول الإبادة الجماعيّة هناك، يوميّاً، عبر شاشات القنوات ومن خلال منصّات التّواصل فما كانت أخبارُ المحرقة، بالتّالي، أخباراً مظنونة متنَاقَلةً شفويّاً أو عبر التّقارير ومنقولة إلى جمهورٍ لا يعرف عنها غير ما سمِع، بل كانت الصُّوَر أفقع الأدلّة.
أمّا أرقام ضحاياها، فدقيقةٌ ومثْبتَة وموثَّقة في نصوصٍ عليها أختام المنظّمات الدّوليّة التّابعة للأمم المتّحدة. ربع مليون ضحية وجريحٍ ومفقود - يشكّلون ما نسبتُه 9 في المائة من سكّان القطاع - سقطوا في هذه الإبادة المستمرّة، هذا إلى دمارٍ شامل للمدن والقرى والمدارس والمستشفيات والمصانع، وحصارٍ وتجويعٍ قاتلين... واحتلالٍ لِمَا يزيد على نصف القطاع.
لا يُسأل عن هذه الإبادة وعن فظاعاتها الوحشيّة إلاّ من اقترفها بدعوى «الدّفاع عن النّفس». شعبُ فلسطينَ الضّحيّةُ، والضّحيّةُ لا تُسأَل عمّا وقع عليها من ظلمٍ ولا تنوب عن الجلاّد في تبرير ما أتاهُ في حقّها من المنكَرات. ولو كان في أخلاق العالمِ اليوم مثقالُ ذرّةٍ من القيم، من العدالة والإنصاف والمساواة بين البشر، لَحُوسب المعتدي على جرائمه الوحشيّة ولاَنْتُصِف للمعتَدى عليه في حقوقه الوطنيّة والإنسانيّة ولَوُضِعَ حدٌّ لهذا الاستهتار السّياسيّ المجنون بالإنسان وبأقْدس حقوقه: الحقّ في الحياة، الحقّ الذي ما مَنَحه أحدٌ لأحد حتّى يملك أن يأخذه منه! كان ذلك ممكناً لو في الأرض شبْرٌ من العدالة، ولو كان للقانون سلطانٌ - ولو تفيهٌ - على من يفرضه على العالم مستثنياً نفسَه من أحكامه! كان ذلك في الإمكان لولا أنّ العالم محكومٌ بشريعة القويّ... وأيُّ قويّ: مَن يفرض إرادتَه بالقتل الأعشى والبطش والابتزاز... واستضعاف ذوي الحقوق..
في مثل هذه الحال من سريان مفاعيل الإبادة الجماعيّة لغزّةَ وشعبِ فلسطين، وانعدامِ أفعال المحاسَبة الدّوليّة لِمن أتى ذلك الإثمَ العظيمَ بدمٍ بارد، قد تجد من يسألك عمّا عساها تكون فائدة نضالات شعب فلسطين إذا كانت ستصل إلى هذه الخواتيم المأساويّة، فالفجوةُ مَهُولة بين حجم التّضحيّات الجسيمة المقدَّمة من وراء تلك النّضالات وحصيلة المكاسب المتواضعة المتحقّقة ميدانيّاً. ولا مِرْية، عندنا، في أنّ المقارنة بين الجلاّد والضّحيّة غيرُ جائزة، بالقطْع، إنْ تعلَّق الأمر بما لدى كلٍّ منهما من قدْراتٍ مادّيّة، إذِ التّوازنُ في القوّة بينهما مختلٌّ اختلالاً فادحاً من غير قياس. لكنّه كذلك هو، دائماً، في تجارب التّحرُّر الوطنيّ كافّة.
تداعيات هذه الإبادة الجماعيّة تستفحل داخل كيان الاحتلال في شكل تناقضات محتدمة بين قواه: بين مدنيّيه وعسكريّيه، بين كُتله وأحزابه، بين «علمانيّيه» ومتديّنيه المتطرّفين، بين مكوّناته من الأصول القوميّة المختلفة المستوطِنة للأرض بعضها البعض...إلخ.
ما بات يعيشه كيانُ الاحتلال، منذ أعوام، أكبرُ من تناقضاتٍ تتفاقم بها الأزمات، بات، بالأحرى، يعيش حرباً أهليّةً صامتة لا يمنعها من الاندلاع والاتّساع سوى تلك الجبهات التي يفتحها الاحتلالُ محارِباً، ففي حربه فقط ما يوحِّده ويَلُمّ شَعَثَه ولو إلى حين. وهذا ما يفسّر ذلك النّزيفَ البشريّ الذي أضحى يهدّدهُ نتيجة الهجرة المعاكسة للمستوطنين هرباً من مستقبل الأرض الغامض إلى أصقاع الأرض.
ما كان ذلك ليحدث في الكيان لولا بلوغ هذا الكفاح الحدَّ الذي أعجز الاحتلال عن الاستيعاب الاستراتيجيّ للعمل الوطنيّ الفلسطينيّ. وما كانت صورةُ الاحتلال في العالم لتصير شوهاء، ولا كان لشعوب أوروبا أن تنتفض ضدّه ولا للشّباب الأمريكيّ وطلاّب الجامعات أن يقلبوا الرّواية الغربيّة عن الاحتلال رأساً على عقبٍ ويسفّهوها بمظاهراتهم واعتصاماتهم ودعواتهم اليوميّة إلى مقاطعته... ما كان لهذا أن يحدث لولا ما جرّتْهُ لعنة غزّة على الاحتلال من المغبّات في أركان الأرض كافّة.
