الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من الحواجز إلى الحرّاس

5 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 5 أكتوبر 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
متى تتحول التقنية من أداة تصنعها الدولة إلى قوة تعيد تعريف الدولة نفسها؟
ربما كان الإنسان، منذ اختراع الآلة، معتاداً أن يصنع أدوات تتجاوز عضلاته، ومنذ الحاسبة أن يصنع ما يتجاوز ذاكرته وحساباته، لكن الذكاء الاصطناعي يفتح باباً مختلفاً، فالمسألة لم تعد أن تعمل الآلة بدلاً من الإنسان، بل أن تعرف بدلاً منه. أن ترى المجتمع من الداخل: ماذا يقرأ، وما الذي يخشاه، وأي خبر يصدق، وأي قرار يُتخذ بشأنه.
ومن هنا تبدأ القصة الأمريكية الجديدة. في 28 سبتمبر، جلس الرئيس ترامب في البيت الأبيض في مقابلة مطولة مع مجلة «تايم»، أجراها كبير المراسلين السياسيين إريك كورتيلسا ورئيس التحرير سام جاكوبس. ولم يكن حديث الذكاء الاصطناعي في المقابلة حديثاً تقنياً بارداً، بل بدا أقرب إلى حديث رجل يرى سباقاً استراتيجياً لا يريد لبلاده أن تتأخر فيه. فالتنظيم المفرط، في منطقه، قد يدفع الشركات الأمريكية إلى خارج السوق، فيما ينبغي أن تتحمل الشركات قدراً أكبر من التنظيم الذاتي.
لم يكن السؤال في منطقه: كيف نضع حدوداً للآلة قبل أن تكبر؟ بل: كيف نضمن ألا تتأخر أمريكا عنها وهي تكبر؟ وفي 29 سبتمبر، لم يكتفِ البيت الأبيض بتوقيع اتفاق طوعي مع شركات التكنولوجيا الكبرى لتعزيز الضوابط الداخلية والتدقيق الخارجي، بل أصدر أمراً تنفيذياً استبدل في الخطاب الرسمي مصطلح «الذكاء الفائق» ب«الذكاء الاصطناعي»، باعتباره تعبيراً عن مرحلة تكنولوجية متقدمة ومتسارعة.
ثم جاءت المؤسسة لتكشف الوجه الآخر للفكرة. في 3 أكتوبر، أُعلن عن «قوة الذكاء الفائق»، على أن يقودها مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون، وأن تقدم خلال 120 يوماً تقريراً عن مخاطر الذكاء الاصطناعي وفرصه، وآليات الإبلاغ عن الاختراقات والهجمات والحوادث، وكيف يمكن تعزيز قدرة الحكومة الفيدرالية على الاستجابة ضمن السلطات القائمة.
وليس اختيار كلايتون تفصيلاً إدارياً عابراً، فالرجل الذي أدى اليمين مديراً للاستخبارات الوطنية في الثالث من أغسطس الماضي، هو نفسه الرئيس السابق لهيئة الأوراق المالية والبورصات، والمدعي العام السابق للمنطقة الجنوبية من نيويورك، وله خبرة في القانون والأسواق والأمن القومي. أي أننا أمام شخصية تقف عند تقاطع ثلاثة عوالم: السوق، والقانون، والأمن.
لكن دلالة القوة ليست في اسم كلايتون وحده، بل في الأسماء التي اجتمعت حوله، كنائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، فيما يشارك ديفيد ساكس مستشاراً، ومعه وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس. كما تضم القيادة التنفيذية للقوة إميل مايكل وسكوت كوبور ورئيس لجنة التجارة الفيدرالية أندرو فيرغسون.
وهنا تصبح التشكيلة نفسها لغة سياسية: استخبارات، ودفاع، ومال، وبيت أبيض، وتكنولوجيا، وخبرة جيوسياسية. لم تعد القضية ملفاً تقنياً على هامش الدولة، لقد صعدت إلى الغرفة التي تجلس فيها عناصر القوة الأمريكية كلها.
ولعل كوندوليزا رايس هي الاسم الأكثر إيحاء في هذه الخريطة. فوجود مستشارة للأمن القومي ووزيرة خارجية سابقة ليس مجرد استدعاء لخبرة أكاديمية أو دبلوماسية، إنه تذكير بأن «الذكاء الفائق» أو الذكاء الاصطناعي في الحساب الأمريكي، لن يبقى داخل المختبر أو السوق، بل سيدخل إلى ميزان القوى والتحالفات والحرب والسلام. أما سوزي وايلز فتضع الملف في قلب البيت الأبيض، وفانس في قلب القرار السياسي، وهيغسيث في قلب الدفاع، وبيسنت في قلب الاقتصاد والمال.
وهنا تنتقل واشنطن، شيئاً فشيئاً، من الحواجز إلى الحراس.
الحاجز يسأل قبل الفعل: ماذا ينبغي أن يُسمح للشركة بأن تفعل؟ كيف تحمي البيانات؟ كيف تُحاسَب الخوارزمية؟ وكيف يحافظ المواطن على حقه في معرفة القرار الذي أثر في حياته؟
أما الحارس فيسأل سؤالاً آخر: من يملك هذه القدرة؟ من يستطيع اختراقها؟ من يستطيع استخدامها ضد الدولة؟ ومن يسبق الآخرين إليها؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين تنظيم القوة وحماية القوة. غير أن السؤال الأبعد سيبدأ بعد انتهاء ال120 يوماً، حين يتحول السباق إلى قواعد، والقواعد إلى صلاحيات، والصلاحيات إلى سلطة.
عندها ستقف أمريكا أمام ثلاث سرعات مختلفة: سوق يتحرك بسرعة الربح، وذكاء أمني يتحرك بسرعة التهديد، وديمقراطية تتحرك أبطأ، لأن القانون يحتاج إلى نقاش في الكونغرس، وإلى رقابة ومحاكم وضمانات قبل أن يمنح السلطة صلاحيات جديدة.
وفي الفجوة بين هذه السرعات، قد تتسع سلطة الحارس قبل أن يلحق بها القانون.
والمعركة المقبلة قد لا تكون فقط على من يملك الذكاء الفائق، بل على من يملك حق تعريف حدوده. وإذا كانت أمريكا تريد أن تربح السباق، فالسؤال الذي سيبقى مفتوحاً ليس فقط: إلى أي مدى تستطيع الآلة أن تعرف؟ بل: إلى أي مدى ستسمح الدولة لنفسها بأن تعرف؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة