كثر هم أولئك الشعراء الذين كتبوا الرواية، وأكثر منهم الشعراء الذين لم يكتبوها، وقالوا لأنفسهم: «رحم الله امرأً عرف قدر نفسه وقدر الشعر»، أما طائفة الشعراء الروائيين، فمنهم من أبدع وأفلح في فن السرد، وهو أيضاً فن اصطياد الجوائز الأدبية، ومنهم من نام على رواية أو روايتين، ثم عاد إلى الشعر، فإذا به مثل تلك الدجاجة التي أرادت أن تطير، ومن كثرة المحاولات، فَقَدَتْ جناحيها، فلا هي دجاجة، ولا هي صقر.
يمتلك الشاعر الحقيقي قوّة اللغة حين يريد تطويع النثر إلى رواية، ويقال دائماً إن الشاعر الجيد هو ناثر جيد، ولذلك، فالطريق ممهّدة مبدئياً للشعراء كي يتحولوا إلى ناثرين روائيين، ولكن تلك الطريق صعبة بل بالغة الصعوبة على الروائي الذي يتحول شاعراً، ذلك أن طبيعة نثر الرواية تختلف كلياً عن طبيعة نثر الشعر. في الحالة الأولى على النثر أن يكون مرناً مع متطلّب السرد والحكي والقصّ، وفي الحالة الثانية، يذهب النثر إلى المجاز، والصورة، والموسيقى.
هنا، أنقلك إلى حالة أدبية هي فعلاً جديرة بالتأمل والقراءة، ففي الشعر هناك أسماء كبيرة لم تكتب الرواية مع أن هذه الأسماء تمتلك الطاقة الأدبية والإبداعية القصوى الموجودة في النثر.
محمود درويش، عبدالوهاب البياتي، أدونيس، أحمد عبدالمعطي حجازي، أنسي الحاج، السّياب، الحيدري، نزار قباني (الناثر الكبير)، عز الدين المناصرة، وغيرهم، لم يكتبوا الرواية، وإن كانوا قرّاء محترفين لها، بل أكثر من ذلك، إنك لتجد في نثرهم الكثير من طبيعة الروي، وفي «يوميات الحزن العادي» نجد محمود درويش راوياً أنيقاً، ولكن هذا الراوي الأنيق لم يفكر يوماً في كتابة رواية.
في الإمارات شعراء ناثرون على درجة عالية من الصفاء والبهجة اللغوية والنقاء الأدبي العذب: حبيب الصايغ، عبدالعزيز جاسم، عادل خزام، عارف الخاجة، خالد البدور، نجوم الغانم، هؤلاء وغيرهم لم يكتبوا الرواية مع أن قماشة النثر لديهم تتسع لكل شروط السرد أو نثر السرد.
السؤال الأخير هنا: هل من الضروري أن يكتب الشاعر رواية، أو هل من الممنوع والمحظور على الشاعر كتابة الرواية؟ الجواب بالنفي بالطبع، ذلك أن الأدب لا توجد فيه شرطة مرور تقف على الحواجز، وتفتش الكاتب فيما إن كان في جيبه رواية أو قصيدة.
الكتابة حرية كما ذكرت قبل يومين بالحرف، لكن المهم هنا هو كيف تستعمل هذه الحرية قبل أن تنطبق عليك حكاية الدجاجة والصقر.
