الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق

6 أكتوبر 2026 00:27 صباحًا | آخر تحديث: 6 أكتوبر 00:27 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أعلنت الحكومة العراقية الأول من أكتوبر/تشرين الأول «يوم السيادة الوطنية»، احتفاء بانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة؛ لكن هذا الاحتفال الرمزي يخفي وراءه تحولاً بنيوياً أكثر تعقيداً من مجرد خروج جنود، إنه لحظة انتقال من احتلال مقنن إلى سيادة مختبرة، ومن توازن بالردع الخارجي إلى توازن بالعجز الداخلي.
من الصعب وصف ما حدث أنه انسحاب كامل بالمعنى القانوني، وفي الواقع يعتبر الانسحاب هو إنهاء مهمة عملية «العزم الصلب»، التي بدأت عام 2014. وقسّم البيان العراقي- الأمريكي في 27 سبتمبر/أيلول 2024، العملية آنذاك إلى مرحلتين: تنتهي الأولى في سبتمبر/أيلول 2025 داخل المناطق الاتحادية، وتستمر الثانية حتى سبتمبر/ أيلول 2026 لدعم عمليات سوريا انطلاقاً من إقليم كردستان.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن قاعدة عين الأسد سُلمت في يناير/كانون الثاني 2026، وتلتها قواعد أربيل والحرير، بينما أعيد نشر مئات الجنود الأمريكيين في الأردن وقواعد إقليمية أخرى، وسُحبت معهم منظومات دفاع جوي متقدمة مثل باتريوت.
وما بقي هو وجود وظيفي لا عددي: مكتب تعاون أمني ملحق بالسفارة في بغداد، وشراكة ثنائية تشمل التدريب والدعم الاستخباري وصيانة الأسطول الجوي العراقي. ويخفف هذا النموذج عملياً من الاحتكاك المباشر مع الفصائل، لكنه يترك إقليم كردستان في حالة انكشاف أمني أمام الصواريخ والمسيرات بعد سحب الحماية الجوية.
وبالتالي، ثمة إعادة تموضع استراتيجي أكثر منه انسحاباً، يهدف إلى الحفاظ على المصالح الأمريكية خارج الاشتباك اليومي.
لقد ربط رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في بداية مسار التفاوض بين الانسحاب ومسألة حصر السلاح بيد الدولة، مهدداً باعتبار الفصائل التي لا تسلم سلاحها «جماعات إجرامية» بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026. إلا أن هذا الخطاب تراجع بشكل لافت، فبحلول منتصف أيلول، تحولت الصيغة الرسمية من «تسليم السلاح» إلى «تنظيم السلاح»، ومن موعد نهائي ملزم إلى «نقطة انطلاق» لمسار تفاوضي. وفي ظل هذا المعطى، ثمة فاعلون في الداخل العراقي أبرزهم:
1- الفصائل الموالية لإيران: التي تعتبر أن الانسحاب انتصار لمحور المقاومة وتسعى إلى ملئه سياسياً عبر تثبيت وجودها في الأجهزة الأمنية.
2- إقليم كردستان: هو الخاسر الأمني الأكبر، فقد كان المستفيد الأول من الوجود الأمريكي.
3- تنظيم «داعش»: لا يزال ينشط بأسلوب حرب العصابات في حزام ديالى وكركوك. علاوة على أن انتهاء الدعم الجوي للتحالف يضع عبئاً إضافياً على القوات العراقية.
وفي الواقع لا يُقرأ الانسحاب الأمريكي داخلياً؛ بل ثمة مثلث حساس له قراءته الخاصة.
طهران هي الرابح الاستراتيجي الأول. لطالما اعتبرت الوجود الأمريكي تهديداً مباشراً لأمنها القومي، والآن ترى أن مشروعها في «وحدة الساحات» حقق هدفاً مركزياً. لكن هذا الانتصار يضعها أمام مأزق جديد: فبعد زوال العدو الخارجي المشترك (أمريكا)، ستظهر التناقضات بين الفصائل نفسها حول اقتسام النفوذ والموارد، وقد تجد طهران نفسها مضطرة لضبط فصائلها كي لا تتحول من أدوات ردع إلى عبء يهدد استقرار حليفها في بغداد.
تنظر أنقرة إلى الانسحاب كفرصة بغياب الطيران الأمريكي والرقابة الرادارية للتحالف فوق شمال العراق، ستتسع هامش عملياتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل وسنجار. كما أن ضعف التنسيق بين بغداد وأربيل بعد الانسحاب يسهل على تركيا فرض منطقة عازلة أمنية بحكم الأمر الواقع، وهو ما يقلق بغداد التي ترى فيه انتهاكاً إضافياً للسيادة.
إن مرحلة ما بعد الانسحاب هي مرحلة «السيادة المقيدة»، حيث تملك بغداد قرار الحرب والسلم نظرياً، لكنها لا تملك أدوات فرضه عملياً، المسار المرجح حتى يونيو/حزيران 2027 هو سيناريو «التوافق الهش»: لا تسليم للسلاح، ولا مواجهة؛ بل إعادة تدوير للسلاح تحت مسمى الدولة.
بالمحصلة من الصعب قراءة الانسحاب الأمريكي كحالة تحرز تقدم العراق نحو دولة مستقرة المؤسسات، بقدر ما هو مرحلة مرتبطة بالوضع الإقليمي الحالي، حيث الصراعات في أوجها، وفواعلها لن تجد أفضل من الساحة العراقية، كموقع لتنفيذ طموحاتها ورغباتها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة