تمنح المواقف العربية الداعمة للمملكة العربية السعودية فرصة للنظر إلى مستقبل المنطقة بثقة أكبر. فحين تتقارب إرادة الدول على حماية السيادة وصون الاستقرار، يصبح التعاون قوة مؤثرة في إدارة الأزمات وفتح الطريق أمام السلام. وتقدم التحركات المصرية والإماراتية الأخيرة معاني واضحة لهذا التضامن، بما تحمله من مساندة للأشقاء، وتواصل سياسي، وحرص على أمن المنطقة وشعوبها.
في هذا السياق، جاء إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية الشقيقة، في 17 أكتوبر، استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك. ويؤكد هذا الموقف أهمية الروابط العربية حين تتحول إلى استعداد لتحمّل المسؤولية، مع احترام قرار المملكة وتقديرها لاحتياجاتها الأمنية ورؤيتها لمتطلبات المرحلة الراهنة.
تعزز الموقف في 18 أكتوبر، عندما قرر مجلس الدفاع الوطني المصري تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة، دفاعاً عن أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها. واقترن ذلك بتأكيد مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد وتسوية أزمات المنطقة سلمياً. وهنا تتضح قيمة الجمع بين مساندة الأشقاء والعمل من أجل السلام، فالتضامن يمنح الدبلوماسية ثقلاً، والدبلوماسية تمنح التضامن أفقاً سياسياً يخدم الاستقرار. ويعكس هذا التوازن نضجاً في إدارة الملفات الإقليمية، إذ لا يُنظر إلى الدعم بوصفه بديلاً عن الحل السياسي، بل رافعة له تعيد التوازن إلى معادلات المنطقة وتفتح الباب أمام تسويات عادلة ومستدامة.
وتحضر دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المشهد بموقف واضح. فقد أكدت وزارة الخارجية، في أكثر من بيان، تضامن الدولة الكامل مع السعودية ودعمها في حفظ أمنها واستقرارها، ودانت استمرار استهداف جماعة الحوثي المدنيين والمنشآت والسفن السعودية. ويعبّر هذا الموقف عن ارتباط التضامن بحماية سيادة المملكة وسلامة مجتمعها. كما يجسد نهجاً إماراتياً ثابتاً يقوم على نصرة الأشقاء ورفض المساس بأمن دول الجوار، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ، وأن استقرار المملكة امتداد طبيعي لاستقرار الإمارات والمنطقة بأسرها.
وفي تطور يعكس استمرار التشاور بين البلدين، استقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في 18 أكتوبر، الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وزير دفاع المملكة العربية السعودية الشقيقة. وتناول اللقاء العلاقات الأخوية وسبل تطوير التعاون، إلى جانب التطورات الإقليمية وتعزيز الأمن والاستقرار والسلام الدائم في المنطقة.
تتيح هذه المواقف قراءة متفائلة لإمكانات العمل العربي المشترك. فالتواصل بين القيادات، ووضوح المساندة، وتبادل الرأي بشأن الأزمات، كلها عناصر تساعد على بناء الثقة وتوسيع مجالات التعاون. وتزداد أهميتها عندما ترتبط بأهداف يفهمها المواطن: أمن أسرته، واستمرار الخدمات، وسلامة السفر، وقدرة بلاده على مواصلة البناء والتنمية. فالمواطن العربي هو المعني الأول بثمار هذا التضامن، وهو الأقدر على إدراك قيمته حين يلمس أثره في واقعه اليومي.
والتضامن مع السعودية يحمل بعداً عربياً واسعاً، فأمنها ركيزة مهمة لاستقرار محيطها، وحماية منشآتها المدنية وممراتها الحيوية تتصل بمصالح تتجاوز حدودها. ومن شأن تماسك المواقف في مواجهة اعتداءات جماعة الحوثي الإرهابية أن يعزز رسالة احترام سيادة الدول، وأن يدعم حق المجتمعات في العيش بأمان، بعيداً عن استخدام احتياجات الناس وسيلة للضغط.
يمكن لهذا التقارب أن يفتح مجالات عملية للمستقبل، تبدأ بتطوير التشاور السياسي، وتبادل الخبرات في حماية المرافق الأساسية، والتنسيق في إدارة الأزمات. فالتعاون الذي يتراكم عبر خطوات واضحة يمنح الدول قدرة أفضل على الاستجابة، ويجعل العلاقات الأخوية أكثر حضوراً في المؤسسات والممارسات اليومية. ويمكن أن يمتد هذا التعاون ليشمل أمن الملاحة البحرية في الممرات الحيوية، وحماية البنية التحتية الرقمية، ودعم مسارات التكامل الاقتصادي التي تجعل الاستقرار مصلحة مباشرة لكل أطراف المنطقة.
كما يستطيع التضامن العربي أن يمنح جهود التسوية قوة إضافية. فالدول المتعاونة على حماية أمنها أقدر على دعم مبادرات السلام ومتابعة تنفيذها، وتوفير بيئة تساعد على نجاح الحلول السياسية. وفي هذا المعنى، يصبح الوقوف إلى جانب الأشقاء إسهاماً في صناعة مستقبل تتسع فيه فرص الاستقرار، ويحظى فيه الحوار بسند من الثقة والجدية.
إن ما يبعث على الأمل في المواقف المصرية والإماراتية تجاه السعودية هو ما تتيحه من أساس للبناء: روابط أخوية، ومصالح مشتركة، وإرادة معلنة لحماية الأمن ودعم السلام. ومن هذا الأساس يمكن أن يحقق التضامن العربي القادم، تعاوناً أكثر انتظاماً وفاعلية واتساعاً في مجالاته، يشعر المواطن بنتائجه في حياته. فكل خطوة تحفظ أمن دولة عربية، وتقوي صلتها بأشقائها، تضيف إلى قدرة المنطقة على حماية مستقبلها وصناعة فرصها. وبهذا المعنى، لا يكون التضامن العربي شعاراً عابراً تفرضه اللحظة، بل يصبح خياراً استراتيجياً تمليه حقائق الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، ومسؤولية تتقاسمها الحكومات والشعوب على السواء من أجل غدٍ أكثر أمناً وازدهاراً.
