الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين يصبح المطار خط مواجهة

13 أكتوبر 2026 00:13 صباحًا | آخر تحديث: 13 أكتوبر 2026 00:14 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في صالة المغادرة تختصر حقيبة صغيرة حكاية إنسان. قد يحملها طالب يعود إلى جامعته، أو أب ينتظر لقاء أسرته، أو مريض يسافر طلباً للعلاج. يجمع هؤلاء اطمئنان بسيط إلى أن المطار مساحة للعبور الآمن. وحين يصل العنف إلى هذه المساحة، فإنه يصيب حياة الناس في تفاصيلها، ويحوّل انتظار الرحلة إلى قلق على المصير. فتتبدل لحظة اللقاء المنتظرة إلى ترقبٍ ثقيل، ويغدو السؤال عن موعد الإقلاع سؤالاً عن السلامة نفسها.
تعيد الاعتداءات الأخيرة على المطارات المدنية في المملكة العربية السعودية إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز تفاصيل كل هجوم: ماذا يعني أن تصبح المرافق التي يعتمد عليها الناس في سفرهم وأعمالهم أهدافاً للعنف؟ تتغيّر حصيلة الأخبار، وقد تُستأنف الرحلات، لكن القضية تبقى في تعريض المدنيين للخطر، ومحاولة تحويل احتياجاتهم الأساسية إلى أوراق ضغط. وقد دان الأمين العام لمجلس التعاون الاعتداءات الحوثية الإرهابية على مطار الملك خالد الدولي، وما تنطوي عليه من استهانة بأرواح المدنيين.
ودانت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيانات عدة الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد الدولي وطائرة تابعة للخطوط السعودية، مؤكدة رفض المساس بسيادة المملكة وأمنها، ومساندتها في حماية استقرارها.
للمطار وظيفة تتجاوز نقل المسافرين. فمن خلاله تتحرك الأعمال والخبرات، وتصل الشحنات العاجلة، وتلتقي الأسر، وتتشكل صلات يومية بين المجتمعات. لذلك تتسع آثار استهدافه خارج حدود المكان، فتتعطل مصالح، وتتغير مسارات، وتتحمل الأسر والمؤسسات أعباء إضافية. وفي عالم تتداخل فيه شبكات النقل والتجارة، قد يمتد اضطراب مرفق واحد إلى وجهات متعدّدة، وإن تفاوت حجم التأثير ومدته. كما أن سلامة الطيران المدني ليست شأناً محلياً، فهي منظومة عالمية قامت على عقودٍ من التعاون والقواعد المشتركة، وأيّ اعتداء على مطارٍ في بلدٍ ما هو مساس بثقة المسافرين في هذه المنظومة كلها، وبما أرسته الاتفاقيات الدولية من حماية صريحة للملاحة المدنية.
وتكشف هذه الاعتداءات خللاً عميقاً في علاقة الجماعة المسلحة بمفهوم السياسة. فالسياسة تحمل مسؤولية تجاه الناس وحياتهم، بينما يجعل استهداف المرافق المدنية أمنهم وسيلة للمساومة. والمسافر الذي ينتظر رحلته، والموظف الذي يؤدي عمله، والأسرة التي تترقب وصول أحد أفرادها، لا يملكون قرار الحرب أو التسوية، ولا يجوز تحميلهم كلفة صراع لم يختاروه.
وفي قراءة سياسية لهذا السلوك، يمكن فهم اعتداءات جماعة الحوثي الإرهابية بوصفها تعبيراً عن أزمتها الداخلية، وإفلاس أدواتها الخارجية. فاللجوء إلى تهديد المرافق المدنية يوحي بعجز عن تقديم مشروع يقنع الداخل ويطمئن الجوار. وكلما طغت لغة التهديد، اتسعت الفجوة بين القدرة على إحداث الضرر والقدرة على بناء دولة. وقد يمنح التعطيل حضوراً في الأخبار، لكنه لا يصنع شرعية ولا يقدم جواباً عن احتياجات اليمنيين. فالشرعية تُبنى بالخدمة، والإنجاز، وقبول الناس، لا بإطلاق المسيّرات والصواريخ على مرافق مدنية يقصدها الناس كل يوم في دول الجوار.
واليمن أكبر من جماعة تريد اختزال تنوعه وتاريخه ومستقبله في مشروعها. فأبناؤه يحتاجون إلى مؤسسات تخدمهم، واقتصاد يتيح لهم العمل، وتعليم يفتح أمام أجيالهم فرصاً للحياة. ولا يمكن أن يكون إخضاع بلد كامل لإرادة تنظيم إرهابي أساساً لاستقرار دائم. إن استمرار السيطرة بالقوة يظل محمّلاً بالتناقض بين مصالح الجماعة وحق المجتمع في استعادة قراره، وكل اعتداء على المدنيين يزيد الأسباب السياسية والأخلاقية لرفض مشروعها.
وأمام هذه الاعتداءات، تقع على المجتمع الدولي مسؤولية التحرك العاجل والمنسّق لوقف عبث جماعة الحوثي الإرهابية بالبنية التحتية الأساسية لحياة الإنسان في المنطقة، عبر إجراءات فاعلة لحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات، والحد من قدرات الجماعة على مواصلتها، وفق القانون الدولي. فالمطارات والموانئ ومرافق الطاقة شرايين تعتمد عليها المجتمعات، وتعريضها للخطر يهدد سلامة الناس وأرزاقهم واستمرار خدماتهم. ولا ينبغي أن يتحول هذا العبث إلى أمر واقع يُدار بالتصريحات، فكل تهاون في الردع يفتح الباب أمام اعتداءات أوسع وأكثر جرأة.
وتكتسب الاستجابة قيمتها من قدرتها على حماية الحياة، والحد من تكرار الاعتداءات، وصون فرص السلام. كما تبقى مساندة المتضررين واستعادة الخدمات وتوفير المعلومات الدقيقة عناصر أساسية في احتواء آثار الهجمات. فعودة الحركة إلى المرفق تمنح الناس بعض الطمأنينة، لكنها لا تمحو خسائر الضحايا، ولا تلغي مسؤولية من تسبب فيها. ويظل التوثيق الدقيق لكل اعتداء خطوة ضرورية لإنصاف المتضررين، ولبناء سجل واضح يحفظ الحقائق أمام الرأي العام والمؤسسات الدولية المعنية.
حين يصبح المطار خط مواجهة، ينكشف الثمن الإنساني لتحويل حياة الناس إلى وسيلة ضغط. وتبقى قوة أي مشروع سياسي في ما يوفره من أمن وفرص ومستقبل، وفي قدرته على احترام الإنسان. ففي نهاية كل رحلة، ثمة شخص ينتظره آخر، وبين المغادرة والوصول حق بسيط وعميق، هو أن يمضي الناس إلى وجهاتهم بسلام.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة