محمد الظهوري*
عُقدت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ال36 في العاصمة التركية، أنقرة، بين السابع والثامن من الشهر الجاري، في أجواء تخللها العديد من التكهنات حول مستقبل الحلف بشكل خاص، والمعسكر الغربي بشكل عام، من الناحية الأمنية.
ولعل اللافت كان تسليط الضوء على المقاربة الأمريكية الدافعة لتغيير التزامات الحلفاء بتقاسم الأعباء بناء على المعادلة الجديدة الخاصة بحسابات مصالح واشنطن، وحضورها العسكري في الخارج. ولعل الأسئلة التي يقتضي منّا، كمراقبين، الإجابة عنها، هي: ما مدى فاعلية المقاربة الأمريكية تجاه الناتو في تحقيق المصالح الأمريكية؟ وكيف يمكننا قراءة الرؤية الأمريكية الشاملة للمعسكر الغربي مستقبلاً؟
مع احتفال الولايات المتحدة بعيد استقلالها ال250، ومرور 77 عاماً على تأسيس حلف الناتو، ثمة تغيرات برزت في الفكر الأمريكي المتعلق بالالتزامات الخارجية، خصوصاً مع تسارع وتيرة المنافسة مع أعدائها في مختلف المجالات.
ولعل المحرك الأول لهذه التغيرات كان الاقتصاد، فالعبء المالي الذي كانت تتحمله واشنطن في ما يتعلق بالناتو لم يكن موازياً للأعضاء الآخرين. وعلى الرغم من أنه من الطبيعي ألا يكون العبء الأمريكي موازياً ومساوياً للحلفاء الآخرين، بحكم أن مؤسس وقائد الحلف هو الولايات المتحدة نفسها، وحجم اقتصادها هو الأضخم على وجه الأرض، فإن النظرة تعدت مرحلة تحمل العبء السابق، بالنظر إلى تغير البيئة الدولية، وبروز تحديات من نوع آخر تتطلب من الولايات المتحدة أن تزيد إنفاقها في المجالات الأخرى والجديدة، محل المنافسة، لضمان مكانتها، أو عظمتها حسب توصيف الرئيس ترامب.
القمة لم تكن اعتيادية، أو خلافية، كما توقعها العديد من المراقبين، وإنما كانت تكاملية، ومتماهية مع الرؤية الأمريكية، في رسالة واضحة من الحلفاء الأوروبيين بتمسكهم بالدور الأمريكي، حتى وإن اختلف عما كان عليه في السابق، فالتحالف الأوروبي-الأمريكي ليس تحالفاً عسكرياً فحسب، وإنما هو تحالف سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وأيديولوجي، من الصعب تفكيكه، أو التخلي عنه بسهولة. هذا الأمر كان جلياً عندما أكد دونالد ترامب في المؤتمر الصحفي بعد القمة، أن دول الحلف تُحرز تقدماً نحو هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 5% من الناتج المحلي، وتعهّد الحلف بتقديم 70 مليار يورو (نحو 80 مليار دولار) من المساعدات العسكرية لأوكرانيا لعام 2026.
لم تقف تطورات القمة عند هذا الحد، وإنما تعدت ذلك بإعلان ترامب أنه سيمنح أوكرانيا ترخيصاً لتصنيع صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، مع النقص الحاد الذي تواجهه في منظومات الدفاع الجوي مع استمرار الحرب للعام الخامس على التوالي.
ولم تتوقف أهمية القمة عند ملف الحرب الأوكرانية والنظرة الأوروبية لموسكو، وإنما تعدّت ذلك مع تصريح ترامب بأن مذكرة التفاهم مع إيران «انتهت»، وإلحاقه بتصريح آخر بقوله إنه منفتح على المفاوضات حال رغبة المفاوضين الأمريكيين بذلك. التزامن الذي حصل بين القمة والضربات المتبادلة بين الأمريكيين والإيرانيين، بسبب إخلال إيران بالتزاماتها في المذكرة، واستهداف السفن التجارية بمضيق هرمز، بعث رسائل للحلفاء الأوروبيين حول ضرورة التوافق مع الرؤية الأمريكية تجاه إيران. هذا الأمر تُرجم بتصريح مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، الذي قال «إن الهجمات الأمريكية الجديدة على إيران كانت ضرورية للغاية مع الانتهاكات الإيرانية لوقف إطلاق النار».
وعلى الرغم من تواصل الهواجس الأوروبية حول التقارير التي تحدثت عن تقليل عدد الحضور العسكري الأمريكي في أوروبا، والذي علّقت عليه رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجا ميلوني، في كلمتها التي ألقتها في ختام القمة، والتي قالت فيها «إن واشنطن لم تخطر بلادها رسمياً بأي خطط لسحب القوات الأمريكية من الأراضي الإيطالية»، فإن تأكيد جميع الزعماء «الالتزام الراسخ» بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة الحلف، حسب الإعلان الذي صدر عن القمة، يدلّ على أن الاختلافات الحالية بين الدول الأعضاء تكتيكية، وأن القول الفصل بوحدة أمن المعسكر الغربي يبقى بالتمسك بالمادة الخامسة. والملاحظ أن الرؤية الأمريكية لم، ولن تتغير، وفقاً لمصالحها الاستراتيجية الثابتة، التي قد تتغير آليات تنفيذها وفق المقتضيات التي تفرضها الساحة التنافسية في النظام الدولي، ولكن مكانة المعسكر الغربي وخصوصيتها لا يمكن أن تتغير، بالنظر إلى عمقها وتجذر أهميتها في معادلة المصالح الأمريكية.
* باحث في شؤون أمريكا والشرق الأوسط بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
