ليست قيمة التشريع في عدد مواده، ولا في صرامة أحكامه، وإنما في قدرته على فهم الإنسان الذي يخاطبه. ولعل أكثر اللحظات التي يظهر فيها هذا المعنى وضوحاً هي لحظة الفقد؛ حين تتراجع اعتبارات الوظيفة أمام واجب العائلة، ويصبح حضور الإنسان إلى جوار أهله ضرورة لا ترفاً.
من هذا المنظور أقرأ توجيه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بتعديل إجازة الحداد لموظفي حكومة الشارقة والجامعات في الإمارة، لتكون خمسة أيام عند الوفاة داخل الدولة، وثمانية أيام إذا كانت الوفاة خارجها، وأن تمتد لتشمل الأقارب الذين حددهم التوجيه من الدرجتين الأولى والثانية.
واللافت هنا ليس زيادة عدد الأيام وحدها، بل اتساع دائرة الاعتبار الإنساني.
فاللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الشارقة كانت تميز في مدة إجازة الحداد بحسب درجة القرابة؛ إذ قررت خمسة أيام داخل الدولة وثمانية خارجها للدرجة الأولى، بينما كانت الإجازة للدرجتين الثانية والثالثة ثلاثة أيام داخــــل الدولـــــــة وخمسة أيام خارجها. وكانت تشمل في هذه الدرجات أقارب مثل الجد والجــدة، والإخوة والأخــــوات، والعم والعمــــة، والخــــال والخالة، وأبناء الأخ وأبناء الأخت.
أما التوجيه الجديد، فيمنح المدة الأعلى ـ خمسة أيام داخل الدولة وثمانية خارجها ـ لدائرة أوسع من الأقارب، تشمل الأب والأم والزوج والزوجة والابن والابنة، وكذلك الجد والجدة، والأخ والأخت والأحفاد، والعم والعمة، والخال والخالة، وأبناء الأخ وأبناء الأخت والأحفاد.
وهنا تحديداً تكمن دلالة القرار.
فالقرابة في مجتمعنا ليست مجرد درجات قانونية ترسمها شجرة النسب. للعم مكانته، وللخال مكانته، وللعمة والخالة حضور قد يكون في حياة الإنسان قريباً من حضور الأب والأم. وقد يكبر الإنسان في بيت جده، أو تكون خالته أو عمته جزءاً أصيلاً من تفاصيل حياته وتكوينه. والقانون، حين يقترب من هذه الحقيقة الاجتماعية، يصبح أكثر قدرة على التعبير عن المجتمع الذي ينظمه.
وهذه إحدى السمات التي تستوقفني دائماً في فكر صاحب السمو حاكم الشارقة؛ أن الإنسان حاضر في القرار قبل أن يصبح رقماً في مادة قانونية. فسموه لا ينظر إلى الإدارة باعتبارها إجراءات مجردة، وإنما باعتبارها مسؤولية تجاه الإنسان والأسرة والمجتمع. وهذا التوجيه مثال دقيق على ذلك: قرار بسيط في ظاهره، لكنه عميق في معناه الاجتماعي.
كما أن التفريق بين الوفاة داخل الدولة وخارجها يحمل فهماً عملياً للواقع. فثمانية أيام عند وقوع الوفاة خارج الدولة تراعي السفر، وبعد المسافة، وإجراءات الانتقال، وما يرافق الوفاة من التزامات أسرية لا تنتهي بمجرد أداء واجب العزاء.
وكوني عضواً في المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة ورئيساً للجنة التشريعية، أرى أن التشريع الأكثر نضجاً هو الذي يحقق التوازن بين انتظام المرفق العام ومراعاة الظروف الإنسانية للموظف. فلا تعارض بين إدارة حكومية منضبطة وإدارة رحيمة؛ بل إن مراعاة الإنسان تعزز انتماءه واستقراره وقدرته على العودة إلى عمله.
هذه هي مدرسة صاحب السمو: أن تبقى الأنظمة قريبة من الناس، وأن يظل الإنسان حاضراً في تفاصيل القرار.
وفي لحظة الفقد تحديداً، قد تكون أعظم مراعاة يقدمها القانون للإنسان هي أن يمنحه الوقت ليكون إنساناً.
