الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العزلة.. أن تكون حراً

8 أكتوبر 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 8 أكتوبر 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
قبل سنوات كتب الروائي الليبي إبراهيم الكوني «تقوقعت حول نفسي كالقنفذ لأني وجدت أن العزلة أحسن سلاح للدفاع عن النفس. أحسن سلاح لمواجهة العداء».
متى تلحّ العزلة على أي منا؟ لنكن أكثر تحديداً، متى تلح العزلة على المفكرين والكتّاب والفلاسفة والفنانين، وحتى العاشقين الذين تلقوا صفعات أو خيبات لا تخلو منها الحياة؟
تلح حين تكبر مساحة الخواء واللاجدوى. حين البحث عن الذات الضائعة وسط ضجيج فارغ لا معنى له. حين يجد المرء ضالته في الانكفاء على نفسه بحثاً عن معناه هو. معنى لم يعد شاخصاً وسط أكوام من الثرثرة والعلاقات المسمومة والنظر الضيّق للأمور في وسط وأمكنة هي الأخرى فاقدة لمعناها.
تلح في لحظات مراجعة تسعى إلى إعادة النظر في واقع لم يعد يمثّل صاحبه ولا يمنحه إضافات ليرتقي بنفسه ويمنحه امتياز أن يكون مؤثراً وفاعلاً لا رقماً في قائمة حضور بليد.
حين يعتاد المرء العزلة تكون قد عملت عملها في إعادة تشكّله وتحوّله النفسي والروحي. كأنه يلتقي بشخصه للمرة الأولى. حتى صوته يبدو مغايراً ليس الذي ألِفَه. نظره إلى التفاصيل من حوله أو حتى تلك التي يقوم باستدعائها، يبرز بشكل مغاير لم يعهده قبل الدخول في التجربة. ذلك الاعتياد على العزلة أو «التعوّد هو الطبيعة الثانية للإنسان» بحسب تعبير فيودور دوستويفسكي في روايته «الرسائل».
معظم الأعمال الكبيرة والأدوار المؤثرة التي أحدثت فارقاً في حياة البشر كان مبعثها عزلة رتّبت ونظّمت تفكير أصحابها ورتّبت أولوياتهم التي كانوا غافلين عنها، أو لم تكن ذات أهمية بالقدر الذي من المفترض أن تكون عليه.
الضوضاء والضجيج لم يصنعا أياً من الأعمال الكبيرة والعظيمة والمؤثرة مما نعرف على أقل تقدير، تلك التي لامست النفس الإنسانية واشتغلت على أن يكون الإنسان في مواجهة مع ما يحط من قدره ويقلّل من قيمته وأثره ويبرز إمكاناته القادرة على إحداث تغيير يصنع الفارق ويجعل الحياة جديرة بأن تُعاش بمعرفة ما يجعلها كذلك، وهو ما لا يحققه الضجيج ولا تدّعيه الضوضاء.
حتى على مستوى العلاقات الاجتماعية، لا أحد يراهن على إنتاجيتها الفاعلة. بعض تلك العلاقات تستنزف الكامن فيه من إبداع يظل محتسباً وغير قادر على التنفس في بيئات ملوّثة ستنتج عنها في المحصّلة النهائية علاقات مسمومة هي بمثابة فخ إذا لم يكن قاتلاً فسيعمل على شل قدرات وإمكانات أو على الأقل سيحد من تحققها وبروزها.
ثم إن العزلة فضاء للحرية غير ملوّث. ذلك ما تعدك به ولن يخيب ظنك. لأن «المرء لا يكون حراً إلا حين يكون وحيداً» كما كتب آرثر شوبنهاور. ولعل أروع تلخيص ورؤية عميقة للعزلة/ الوحدة ما كتبه الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي «أنت في وحدتك بلد مزدحم».
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة