يُعدّ فن الخط العربي من أقدم الفنون التي عرفها العرب. ولئن كانت الذهنية العربية تنظر إلى عصر ما قبل الإسلام باعتباره الفضاء الزمني الذهبي والأجمل للكلمة المنطوقة، نظراً للمكانة الرفيعة التي احتلها الشعر بوصفه «ديوان العرب»، فإن التاريخ يخبرنا أن إرهاصات الإبداع الخطي بدأت في تلك الحقبة. وعلى الرغم من أن الخطوط آنذاك لم تكن بالنضج والجمال الذي آلت إليه بعد الإسلام، إلا أن الشعراء التفتوا إلى بدايات تشكّلها، فأدرجوها ضمن قاموسهم الشعري.
كانت أدوات الكتابة كالرقاع، والجلود، والقلم، والدواة، والمهارق، حاضرةً بقوة في تشبيهاتهم وأوصافهم رغم سيادة الثقافة الشفهية. وتُشير المصادر التاريخية إلى أن بعض شعراء ذلك العصر مارسوا الكتابة وعرفوا الخط، ومن أبرزهم «المرقش الأكبر»، الذي تجلّت معرفته هذه في بيته الشهير:
الدار قفر والرسوم كما
رقش في ظهر الأديم قلم
يَعقد المرقش هنا تشبيهاً بليغاً عند وقوفه على الأطلال، إذ يُشبّه آثار الديار الباقية وخطوط منازلها الدارسة بالكتابة والنقوش المتقنة التي يخطها القلم على الجلد المدبوغ (الأديم)، دلالةً على دقتها ووضوح معالمها كالكتابة القديمة. وقد لُقّب بالمرقش لإجادته الكتابة وحذقه فيها، فالترقيش في اللغة هو التزيين والتنقيط والكتابة بإتقان، ويزخر شعر ما قبل الإسلام بنماذج كثيرة تعكس هذا الاهتمام.
ومع ظهور الإسلام، انتقل الحرف العربي إلى مرحلة التوظيف الجمالي، إذ أصبحت العناية بالخطوط وتطويرها جزءاً لا يتجزأ من الاهتمام بالقرآن الكريم ورعايته. وتبعاً لذلك، سرعان ما ظهرت المدارس الخطية، ووضِعت القواعد الهندسية الدقيقة التي تحكم هذا الفن. وشكّلت هذه الخطوة نقلةً نوعية أسفرت عن تنوع الخطوط وتعدد أشكالها، كالنسخ، والثلث، والديواني، والكوفي، وبذلك تحول الخط إلى فن بصري قائم بذاته، لا يقل مكانة عن الشعر.
ونظراً للإمكانات الإبداعية التي يمتلكها هذا الفن، فقد تجاوز حدود العالم الإسلامي ليتبوأ مكانة مرموقة ضمن الفنون العالمية، لا سيما في العصر الحديث مع تطور الاتجاهات الفنية وذلك لما يتمتع به الحرف العربي من مرونة التجريد والتشكيل. ويتضح ذلك من خلال المعارض الدولية وبروز العديد من الفنانين العالميين الذين يقدمون أعمالاً خطية بارعة، وقد تُوّج هذا الاهتمام الدولي بإدراج منظمة «اليونسكو» للخط العربي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي.
