قد يحتاج أحدهم للتأكد من معلومة ما، فيتصفح هاتفه ليتحقق منها، لكنه لا يكتفي بالمعلومة فينتقل إلى قراءة خبر، ومنه لمشاهدة مقطع، وبعده يتوقف عند محتوى لم يكن يبحث عنه. وحين يترك هاتفه، يكتشف أنه استهلك الوقت الذي كان يفترض خلاله إنجاز مهمة أخرى. هو لم يقرر إلغاء المهمة، لكنه أجل بدايتها مرات متتابعة.
هذا السيناريو قد يبدو مألوفاً لدى الكثير من الناس، هذه الدقائق المتفرقة جزء من حياتنا، الحياة التي لدينا فيها طموح وأهداف نرغب بتحقيقها. لقد عبر عن هذا المفهوم قبل عصرنا الذي يتميز بالتطور والتقدم التكنولوجي والمعرفي، الكاتب والمخترع الأمريكي بنجامين فرانكلين، الذي عاش في القرن الثامن عشر. ففي إحدى مقالاته الشهيرة بعنوان «الطريق إلى الثروة»، تناول العمل وحسن استخدام الوقت والموارد، وردت عبارته: «هل تحب الحياة؟ إذاً لا تهدر الوقت، فهو المادة التي تصنع منها الحياة». تربط العبارة تقدير الحياة بطريقة قضائنا لأيامنا فيها، بما فيها التفاصيل التي قد تبدو قليلة الأهمية.
نحن نعيش في زمن تتعدد فيه المشتتات ويسهل الوصول إليها، قد يحدث الهدر من دون انتباه وبسهولة. إشعار يظهر أثناء القراءة، وتصفح يتكرر كلما توقفت مهمة قليلاً، وانتظار مزاج أفضل للبدء. لا تبدو أي منها مشكلة كبيرة بمفردها، لكن تكرارها قد يجعل ما يهم الشخص مؤجلاً إلى نهاية اليوم، حين تقل طاقته ويصبح التأجيل إلى الغد أسهل، وهكذا تصبح أمور حياتنا المهمة مؤجلة دوماً.
وما يزيد صعوبة ملاحظة هذا الهدر أن الشخص قد يشعر بالانشغال طوال الوقت. فقد قرأ وشاهد وتابع أشياء كثيرة، لكنه لم يمنح ما اختاره لنفسه وقتاً كافياً. قد يكون من المفيد أن ننظر إلى يومنا ونراجعه بشكل مستمر، ونتساءل عما يأخذ وقتنا، ما الذي كنا نفعله من الساعة الفلانية حتى الساعة الفلانية، وماهي حصيلة اليوم، وما الذي سنقوم به غداً لنصلح ذلك، حتى لا نصبح وكأننا داخل حلقة مستمرة من الخطأ بدون إصلاح.
لا يحتاج التعامل مع ذلك إلى جدول صارم أو محاسبة النفس على كل دقيقة. فالراحة والترويح عن النفس لهما مكانهما، الفكرة تكمن في الانتباه إلى الانجراف وإلى ضياع الوقت. من الممكن تحديد وقت للتصفح، وإبعاد الهاتف أثناء مهمة معينة، والبدء بجزء بسيط من المهام، حتى لا يظل انتظار الوقت المناسب سبباً للتعطل.
