الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أيامنا الجميلة

11 أكتوبر 2026 00:40 صباحًا | آخر تحديث: 11 أكتوبر 00:41 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هناك مفارقة تتكرر في حياتنا: نعيش يوماً عادياً فلا نجد فيه ما يستحق التوقف، ثم تمر السنوات فيصبح اليوم نفسه جزءاً من زمن نتمنى لو نعود إليه.
جلسة عائلية لم يحدث فيها شيء استثنائي، طريق كنا نسلكه كل صباح، صوت شخص كان وجوده جزءاً طبيعياً من يومنا. تفاصيل لم نظن أنها تصنع ذاكرة لأنها كانت مألوفة، لكن المألوف ليس بالضرورة بلا قيمة.
أتذكر طريق المدرسة القديم، وصوت الراديو في السيارة كل صباح، وأحاديث صغيرة لا أذكر منها شيئاً. لم يكن فيه ما يلفت الانتباه، واليوم أدرك أنه كان يحمل طمأنينة لم أسمها حينها.
وقد رصد الكاتب الفرنسي جورج بيريك ما يمر تحت عتبة انتباهنا: الشوارع والمقاهي والحركات المتكررة، وكل ما نراه كثيراً حتى نكاد نتوقف عن رؤيته، فلماذا نحتاج إلى المسافة حتى نرى ما أخفته الألفة؟
جزء من الإجابة أن الحاضر ليس ذكرى نتأملها، بل حياة ما زالت تطلب منا شيئاً. ويفسر «التكيف اللذّي»، أي اعتيادنا على ما يسعدنا حتى يفقد بريقه، جانباً آخر، نفرح بالبيت الجديد ثم يصبح بيتاً فحسب، ونحلم بوظيفة ثم تتحول إلى صباحات اعتيادية. لا تختفي قيمة الأشياء، لكن حضورها في وعينا يتراجع.
وحين تصبح التجربة ماضياً، تتوقف عن مطالبتنا بتكاليفها، وتحتفظ الذاكرة بشذرات منها: صوت باب، رائحة مكان، نبرة صوت. لهذا لا نشتاق إلى الماضي كما كان بكل ازدحامه، بل إلى أشياء منه صارت أوضح بعدما ابتعدنا عنها.
وهنا تتعلق المسألة بالحاضر، فنحن نعيش اليوم بوصفه طريقاً إلى غد: حين ننتهي من الدراسة، حين نحصل على الوظيفة. ثم نكتشف بعد سنوات أن الطريق نفسه كان جزءاً من الحياة التي كنا ننتظرها.
لكن الانتباه إلى الحاضر لا يعني تقديسه، فبعض الأيام ليست جميلة، وبعض المراحل يكون تجاوزها أفضل من الحنين إليها. المسألة ألا نجعل انتهاء الأشياء شرطاً لاكتشاف معناها، فالأحداث الكبرى تعلن أهميتها لحظة وقوعها، أما الأيام العادية فتمر بلا إعلان، ولا شيء يخبرنا أن جلسة هذا المساء قد تصبح يوماً اختصاراً لمرحلة كاملة من العمر.
ربما ليست المفارقة أن الماضي يصبح أجمل، بل أن بعض ما كان جميلاً فيه لم يصبح مرئياً إلا بعد أن صار ماضياً.
ويبقى السؤال: كم من شيء في حياتنا الآن لا يحتاج إلى أن يصبح ذكرى كي يستحق أن نراه؟

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة