في كل إطلاق لمركبة فضائية، تتجه الأنظار إلى ما ينطلق نحو السماء، وتتصدر أخباره العناوين، أما من يبقون على الأرض، يتابعون البيانات، ويراقبون الأنظمة، فنادراً ما يكونون في واجهة المشهد. لكن الحقيقة أن جزءاً كبيراً من نجاح أي مهمة فضائية يُحسم على الأرض، قبل الإطلاق بوقت طويل، ففي غرف الاختبار، يدرس المهندسون سلوك المحركات بدقة، ويختبرون حدودها القصوى، حتى يبنوا المعرفة والخبرة التي تسمح لهم بالاعتماد عليها بثقة بعد انطلاقها، وحين لا تسير الأمور في الفضاء كما ينبغي، تكون هذه الاختبارات الأرضية أيضاً النقطة المرجعية لفهم وتحديد الأسباب.
بالنسبة لمهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، تبدأ هذه الرحلة من حجرة تفريغ في أبوظبي تحاكي بيئة الفضاء، حيث يعمل فريق مركز بحوث أنظمة الدفع والفضاء، التابع لمعهد الابتكار التكنولوجي، على النوع نفسه من المحركات الذي سيحمل المركبة الفضائية «المستكشف محمد بن راشد» في رحلتها، مساهماً في الوقت نفسه في بناء خبرات وطنية ستشكل أساساً لمهمات فضائية إماراتية مقبلة.
فالمركبة تعتمد على دافع كهربائي تبلغ قوة دفعه القصوى نحو 300 ميلي نيوتن فقط، أي ما يعادل تقريباً وزن شريحة خبز في يدك، وقد تبدو هذه القوة متناهية الصغر، إلى درجة أنه يمكن مقاومتها بطرف الإصبع، لكن الفارق هنا جوهري، فبينما يعمل الصاروخ الكيميائي لبضع دقائق فقط، يستطيع الدافع الكهربائي أن يواصل العمل لأشهر وسنوات، وهذه الدفعة الخفيفة والمتواصلة هي التي ستسهم في دفع مركبة تزن طنّين لمسافة تقارب 5 مليارات كيلومتر، مروراً بالزهرة والمريخ، وصولاً إلى 7 كويكبات في الحزام الرئيسي، مع استهلاك نحو 1.5 كيلوغرام من الوقود الدافع يومياً كحد أقصى عند تشغيله بأقصى طاقته.
وللاستعداد لهذه الرحلة، يجري حالياً تشغيل منشآتنا وتأهيلها باستخــدام النــوع نفســه مــن أنظمة الدفع التي ستستخدم في مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، ما يتيح للمهندسين الإماراتيين اكتساب الخبرة على مكونـــات مماثلة لتلك التي ستعمل فعلياً خلال المهمة، وبالتعاون مع وكالة الإمارات للفضاء والشركاء الوطنيين، يدعم فريقنا المهمة من خلال اختبارات الدفع الكهربائي والأعمال المرتبطة بها، ويتمثل جانب أساسي من هذا الدور في تدريب المهندسين الإماراتيين ونقل الخبرة العملية إليهم، وتزويدهم بالرؤى التي لا تُكتسب من الكتب وحدها، والتي ستعتمد عليها مهمات دولة الإمارات المستقبلية عند اختيار أنظمة الدفع الخاصة بها واختبارها وتشغيلها في الفضاء، ويمتد هذا الدور إلى ما بعد الإطلاق، إذ يمكن للمنشأة الاستجابة لاحتياجات المهمة، واستكشاف نطاقات تشغيل جديدة أو خيارات إضافية قد تتيح إطالة عمرها وتوسيع نطاقها بعد تحقيق أهدافها الأصلية.
لا توجد سوى منشآت قليلة حول العالم قادرة على إجراء هذا النوع من الاختبارات، ما يتيح لدولة الإمارات أن توفر للفرق الدولية منشأة متطورة مصممة لدعم برامج اختبار واسعة النطاق تمتد لفترات طويلة، وخلال الأعوام الخمسة المقبلة، نطمح إلى أن تصبح هذه المنشأة مركز اختبار تلجأ إليه مهمات من دول أخرى، لأنها تثق بقدرتها على تأهيل مكوناتها وفق أعلى المعايير.
قد يكون «المستكشف محمد بن راشد» هو من سيقطع الرحلة في الفضاء، لكن جزءاً كبيراً من هذه المهمة يدار ويُوجّه من الأرض.
مركز بحوث أنظمة الدفع والفضاء- معهد الابتكار التكنولوجي
