أخبار عدة تداولت أن رئيسةَ وزراءِ إيطاليا جورجيا ميلوني تقدمت بطلبٍ إلى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية لتسجيل صوتها علامةً تجارية، وأرفقت مع الطلب تسجيلاً صوتياً مدته أربعُ ثوانٍ، تكرر فيه عبارةً واحدةً بالإيطالية: «أنا جورجيا ميلوني». وليس هذا الطلبُ الأولَ، فقد سبقتها عدة أسماء من عالم الفن والغناء سجّلوا أصواتهم وحركاتهم.
العلامة التجارية -كما هو معروف- التي تم التسجيل فيها مخصصةٌ لتكون أداةً لحماية ما يتم إبداعه، مثل: شعار، إعلان، اسم منتج... إلخ، لكنها ليست مخصصةً لأن يتوجه لها إنسانٌ لتسجيل صوته بوصفه علامةً محميةً إبداعية، لكن لماذا توجهت هذه السيدة وكثيرون من عالم الفن لتسجيل أصواتهم؟ السببُ محاولةُ الحماية من التزوير والتزييف اللذين بدآ ينتشران على شبكة الإنترنت بواسطة الذكاء الاصطناعي، حيث يتم صنعُ مقاطعَ بالصوت والصورة عن الكثير من الشخصيات.
هذا التوجه يبيّن نقاطاً مهمةً جداً، هي أنه لا يوجد بندٌ في القانون يحمي، فتم اللجوء للعلامة التجارية، وهو ما يعطي دلالةً واضحة على أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تحديداً أسرع وأكثر انتشاراً ونمواً من سن القوانين المنظمة والتشريعات التي تراعي خصوصية الناس وحقوقهم وحمايتهم. ومع الأسف، حتى إن تمت الموافقة على تسجيل الأصوات لتكون محميةً كعلامة تجارية مسجلة لا تُستخدم إلا بموافقة صاحبها، فإن التزييف، كما هو معروف، ينتشر في غضون ساعات قليلة جداً، بينما الدعوى القضائية تستغرق شهوراً أو حتى سنوات، وعندما يصدر الحكم القضائي يكون المقطع المزور قد طاف العالم واستقر في عقول الملايين، وبالتالي وقع الضرر حتى وإن أنصف المتضرر. لكن يبقى اللجوء للتسجيل في الملكية الفكرية حلاً نخبوياً متاحاً للمشاهير أو نحوهم، وليس حلاً قانونياً عاماً أو تشريعاً يستهدف معالجة هذه الظاهرة المتنامية، وبالتالي كثيرٌ من الناس، أو معظمهم، يتعرضون للتزييف وتقليد صورهم وأصواتهم من دون أي حمايةٍ قانونية.
إن ما ينتج عن التقنيات الحديثة، وتحديداً الذكاء الاصطناعي، يتطلب حضوراً أقوى وأكثرَ مرونةً من المشرعين والقانونيين، لأن بقاء كثير من الجوانب من دون إفصاحٍ ومن دون تشريع له آثارٌ سلبية تتجاوز الضرر الشخصي، حيث يمكن الوصول إلى مرحلةٍ تصبحُ فيها الحقائقُ محلَّ شكٍّ أو لا تُصَدَّق، بينما التزييف يكون أكثرَ إقناعاً ومصداقية.
أربعُ ثوانٍ لا يمكنها أن تكون الحلَّ، لكنها محاولةٌ تبيّن الحاجة الملحة لسن قوانين متخصصة في الذكاء الاصطناعي وما ينتج عنه.
