أين تجد بلداً يعمل فيه شيوخه أكثر من موظفيه، ووزراؤه لا تنتهي مسؤولياتهم بانتهاء ساعات الدوام، ومديرو دوائره يدركون أن المنصب لا يعني مكتباً أكبر وامتيازات أكثر، بقدر ما يعني مسؤولية أوسع ومحاسبة أشد؟
في الإمارات، الكل يعملون، والكل ينجزون، وهذه ليست عبارة مجازية، بل مدخل لفهم جانب مهم من التجربة التنموية للدولة، فالعمل لا ينحصر في ساعات الدوام، والوصول إلى موقع قيادي ليس نهاية رحلة الاجتهاد، بل بداية مرحلة تتسع فيها المسؤوليات والتحديات.
الموظف ينجز مهامه، ومديره مسؤول عن إنجاز فريق كامل، والوزير يحمل مسؤولية قطاع بمؤسساته ومشاريعه ونتائجه، أما القائد فتتسع أمامه الصورة لتشمل الاقتصاد والمجتمع والأمن والاستثمار والعلاقات الدولية ومستقبل الأجيال.
هكذا تبدو المعادلة الإماراتية: كلما ارتفع المنصب اتسعت المسؤولية، وكلما اتسعت المسؤولية ارتفع سقف الإنجاز المطلوب، وليس المقصود مقارنة ساعات عمل القائد والوزير والمدير والموظف، فلكل موقع أعباؤه، ولكل فرد دوره، لكن من يقود مؤسسة أو قطاعاً أو إمارة لا يستطيع دائماً الفصل بين ساعات العمل وساعات المسؤولية.
تأملوا يوم عمل قادة الإمارات.. مجالس يستقبلون فيها المواطنين ويستمعون إلى احتياجاتهم، واجتماعات مع المسؤولين، ولقاءات مع رجال الأعمال والمستثمرين، وجولات ميدانية، واستقبال وفود، وزيارات رسمية واقتصادية، ومتابعة مشاريع وملفات تتجاوز حدود الدولة.
قد يبدأ يوم القائد باجتماع حكومي، ثم متابعة مشروع، وبعده استقبال وفد أو لقاء مستثمرين أو حضور فعالية، قبل أن يلتقي المواطنين في مجلسه. وقد يبدأ اليوم التالي في عاصمة أخرى، لفتح سوق جديدة أو بناء شراكة أو جذب استثمار قد لا تظهر ثماره إلا بعد سنوات.
في الإمارات أيضاً، وليس في كثير من البلدان الأخرى، لا تُفتح الطرقات تلقائياً أمام الشيخ أو القائد أو الوزير مكافأة على يوم عمل طويل، ولا تتوقف حركة السير لمجرد مروره، فهو يسلك الطريق نفسه الذي يسلكه الناس، ويقف عند الإشارة مثلهم، بل قد «يعلق» في ازدحام ساعات الذروة كما غيره.. مشهد يبدو عادياً هنا، لكنه يحمل معنى كبيراً، فهو يذكّر بأن احترام النظام لا يتعارض مع المكانة، وأن القدوة تظهر في التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبرى، فالمنصب لا يعزل صاحبه عن تفاصيل الحياة اليومية، والقرب من الناس لا يقتصر على المجالس واللقاءات.
شؤون الناس لا تتوقف، والأسواق العالمية لا تعمل وفق توقيت الدوائر الحكومية، والفرص الاستثمارية لا تنتظر صباح اليوم التالي، والدولة التي تطمح إلى المراكز الأولى لا تستطيع إدارة طموحاتها بعقلية الحد الأدنى، وهذه الثقافة لا تتوقف عند القمة.
في الإمارات، «كان الله في عون الوزير»، فهو في حكومة محمد بن راشد «لا يعرف ليله من نهاره». ليس مجرد موظف بدرجة أعلى، بل مسؤول عن أداء قطاع كامل وجودة خدماته ونتائجه، ومدير الدائرة ليس مجرد صاحب توقيع، بل مسؤول عن فرق عمل وميزانيات وخدمات، ويُقاس نجاحه بما يحققه فريقه كله.
الإمارات ليست دولة تعمل فيها القيادة بينما ينتظر الآخرون التعليمات، إنها منظومة واسعة من المؤسسات والقطاعات. في الحكومة من يضع السياسات، ومن يحوّلها إلى خطط، ومن ينفّذها. وفي القطاع الخاص المستثمر ورائد الأعمال والمهندس والفني والإداري والعامل، وكل منهم شريك في دورة اقتصادية متكاملة.
خلف كل مطار آلاف العاملين، وخلف كل ميناء منظومة عمليات، وخلف كل مشروع عمراني فرق من المهندسين والفنيين، وخلف كل استثمار مؤسسات توفر الثقة والبنية التحتية والتشريعات. وحين تتكامل هذه الأدوار يصبح الإنجاز ثمرة عمل جماعي.
من يتابع نشاط صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وأصحاب السمو حكام الإمارات، يرى ضخامة الملفات التي تتطلب المتابعة والقرار، من الاقتصاد والأمن إلى الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والعلاقات الدولية والشؤون الاجتماعية والإنسانية.
ومن يتابع المشهد الاتحادي والملفات المتشعبة التي يديرها بكفاءة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير ديوان الرئاسة، ويطّلع على نشاط أولياء العهود ونواب الحكام في مختلف الإمارات، يلمس ثقافة قيادية مشتركة عنوانها الحضور الفاعل وتحويل التوجهات إلى نتائج ملموسة.
الرسالة واضحة: المسؤولية لا تخف كلما صعد الإنسان في هرم القيادة، بل تصبح أكثر اتساعاً وتعقيداً، وحتى السفر الرسمي، الذي قد يبدو امتيازاً، يكون غالباً امتداداً للعمل، فلقاء قصير مع رئيس دولة أو شركة عالمية قد يكون نتيجة أشهر من المفاوضات وبداية سنوات من الشراكات والاستثمارات.
هذه المعادلة أسهمت في تشكيل نموذج تنموي لا يعتمد على الموارد وحدها، بل على حسن إدارتها واستثمارها، فالفرق بين دولة تمتلك الإمكانات ودولة تحقق الإنجازات ليس دائماً في حجم ما تمتلكه، بل في الطريقة التي تعمل بها، من إتقان الموظف إلى كفاءة المدير ومساءلة الوزير وانشغال القائد بمستقبل وطنه.
بناء الأوطان وظيفة لا تنتهي، والإمارات تعرف كيف تبني.
