الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

استراتيجية الصين الأمنية في الشرق الأوسط

13 أكتوبر 2026 00:40 صباحًا | آخر تحديث: 13 أكتوبر 2026 00:43 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تكن زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت إعلاناً عن عقيدة سياسية؛ فقد كانت الرسالة واضحة: يجب على الشرق الأوسط أن يتولى إدارة أمنه بنفسه.
ففي لحظة بالغة الحساسية -تتسم بحرب مفتوحة في إيران، وتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، وانقسام خلال قمة «بريكس» في نيودلهي- اختارت بكين طرح رؤيتها للأمن الإقليمي انطلاقاً من مصر.
فعلى مدى أكثر من عقد من الزمان، لعبت الصين دور الوسيط الاقتصادي؛ حيث أنشأت الموانئ، وباعت التكنولوجيا، واستثمرت في قطاع الطاقة. ولكن، ثمة تحول نوعي يمتد من «اتفاق بكين» بين السعودية وإيران عام 2023 وصولاً إلى طرح إطار أمني شامل في القاهرة عام 2026. لم تعد الصين ترغب في الاكتفاء بدور التاجر، بل تسعى لأن تكون مهندساً للنظام الإقليمي. ويرتكز النهج الصيني الجديد على أربع نقاط طرحها الزعيم شي في القاهرة:
* أولاً: رفض المعايير المزدوجة في تطبيق القانون الدولي.
* ثانياً: رفض التدخلات الخارجية والنماذج المفروضة.
* ثالثاً: ربط الأمن بالتنمية، وليس بمجرد الردع العسكري.
* رابعاً: مبدأ أن شعوب المنطقة هي التي تحدد مصيرها بنفسها.
وهذه ليست مجرد شعارات، بل هي عقيدة مضادة للنموذج الأمريكي الذي هيمن على المنطقة منذ عام 1991.
ولكن لماذا مصر؟ لم يكن اختيار مصر وليد الصدفة، بل يحمل ثلاث دلالات:
* أولاً: مصر تتمتع بعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، فضلاً عن كونها بوابة نحو إفريقيا والبحر الأحمر.
* ثانياً: البعد العسكري؛ إذ أُجريت خلال الزيارة مناورات جوية مشتركة شملت طائرات صينية من طراز «J-16» وطائرات مصرية فرنسية من طراز «رافال». وتُعد هذه المرة الأولى التي تختبر فيها بكين طائراتها في بيئة عملياتية غربية. والرسالة هنا هي أن الصين مستعدة لملء أي فراغ عسكري قد تتركه واشنطن، ولكن بأسلوب الشراكة لا بأسلوب القواعد العسكرية.
* ثالثاً: الاقتصاد التكنولوجي؛ فالاتفاقيات الموقعة لم تكن تتعلق بالنفط، بل دارت تلك النقاشات حول الحوسبة السحابية، وأشباه الموصلات، والمركبات الكهربائية، وقطاع الفضاء. وتربط الصين أمنها بالأمن التكنولوجي لمصر، وليس فقط بأمن إمدادات النفط؛ ويُعد هذا تحولاً استراتيجياً.
هذا النهج يخدم مبدأين صينيين: رفض الهيمنة وحماية المصالح. فبكين لا ترغب في نشوب حرب في الخليج، لكنها أيضاً لا تريد أن تبدو تابعة لواشنطن في مسألة الضغط على طهران؛ ولذا فهي تمارس ما تسميه «الحياد النشط». ولقد زار شي الهند لأول مرة منذ سبع سنوات؛ ليس حباً في نيودلهي، بل لأن بكين تدرك أن أي نظام أمني في الشرق الأوسط لن يكتب له النجاح دون الهند، التي تمتلك مصالح ضخمة في قطاع الطاقة الخليجي وتضم جالية عمالية تبلغ 9 ملايين عامل.
إن ما طرحته بكين في القاهرة لا يُعد بديلاً عن النظام الأمريكي، بل هو ورقة مساومة؛ فالصين تقول لواشنطن: «إذا انسحبتِ، فهناك بديل»، وتقول لدول المنطقة: «لديكم خيار آخر».
والخلاصة أنه لن يُبنى النظام الجديد في الشرق الأوسط في بكين ولا في واشنطن، بل سيُبنى في المنطقة ذاتها.
لقد قدمت الصين لدول المنطقة لغةً جديدة: الأمن والتنمية بقيادة إقليمية بدلاً من العقوبات، والتكنولوجيا بدلاً من القواعد العسكرية.
أستاذ مشارك في كلية الدراسات الدولية بجامعة «صن يات سين» (الصين). (موديرن دبلوماسي)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة