يجب أن نعترف بأننا نحن العرب، بخاصة نحن الذين ننتمي للقرن العشرين وربع هذا القرن الذي نحن فيه، مررنا ونمر بتاريخ غاية في التعقيد والمشكلات التي تحتاج إلى نظر وتحقق وفهم. لكننا مع ذلك نواجه ظاهرة التسطيح للعالم المعيش بكل ما ينطوي عليه من تعقيدات.
التسطيح هو الوقوف عند ظاهر الواقعة أو الظاهرة دون النفاذ إلى بنيتها وأسبابها، وعلاقاتها، وشروط وجودها. فالمسطِّح قد يعرف شيئاً عن الموضوع، لكنه يعامله بوصفه الحقيقة كلها، فيحوّل الجزء إلى كل، والظاهر إلى ماهية، والانطباع إلى حكم، والرأي إلى حقيقة. والظاهر ليس كاذباً بالضرورة، لكنه لا يستنفد حقيقة الشيء؛ إذ لا تُفهم الوقائع إلا ضمن سياقاتها وعلاقاتها والأسباب التي أنتجتها.
ومن هنا قد يكون التسطيح أخطر من الجهل. فالجاهل الذي يعرف جهله يترك باب السؤال مفتوحاً، أما المسطِّح فيغلقه بوهم امتلاك الجواب. الجهل نقص يمكن تجاوزه بالتعلم، أما التسطيح فيمنح صاحبه شعوراً زائفاً بالمعرفة ويعطل إمكان التعلم.
لذلك ينبغي التمييز بين تسطيح ناتج عن قصور في الفهم، وتسطيح مقصود يراد منه إنتاج وعي زائف بالواقع. الأول نقص معرفي، أما الثاني ففعل أيديولوجي وسياسي وأخلاقي، لأنه يقوم على حذف ما لا ينسجم مع الرواية المراد فرضها. ومن هنا فإن وصف التسطيح بأنه خيانة للمعرفة ينصرف إلى المتعمد منه، أو إلى ذلك الذي يصر عليه صاحبه مع قدرته على تجاوزه.
وقد يقوم التزييف على وقائع صحيحة، لكن فصلها عن سياقها، وحجب ما يرتبط بها، وتحويلها إلى تفسير شامل، ينتج وعياً كاذباً من مادة صحيحة. فالمشكلة ليست دائماً في اختلاق الوقائع، بل في انتقائها واستخدامها بطريقة توحي بأن الجزء هو الكل.
ولا يرتبط التسطيح بقلة المعلومات؛ فقد يغرق الإنسان في الأخبار والصور والتعليقات ويبقى مسطَّح الوعي. فليس كل خبر معرفة، وليس كل معرفة وعياً. المعرفة الحقيقية هي القدرة على فهم العلاقات والأسباب والبنى والمعاني، لا مجرد تراكم المعلومات.
وتبلغ هذه الآلية ذروتها في الأيديولوجيات المنغلقة التي تمتلك جواباً قبل أن تطرح السؤال. فهي تفرض تفسيراً سابقاً على الواقع، فإذا خالفها أُدين الواقع بدلاً من مراجعتها. ويندرج في ذلك استدعاء أجوبة الماضي للإجابة عن أسئلة الحاضر دون مراعاة اختلاف الشروط التاريخية؛ فالماضي يصبح عائقاً حين يتحول إلى سلطة تلغي مسؤولية العقل عن التفكير في الحاضر.
تتضح هذه الآليات أكثر حين ننتقل إلى المجالات التي يظهر فيها التسطيح بوصفه ممارسة يومية وخطاباً عاماً. يظهر التسطيح في تفسير الظواهر الاجتماعية حين تُحوَّل التجربة الفردية إلى قانون عام. فنجاح شخص لا يعني أن شروط النجاح متاحة للجميع، وفشل آخر لا يثبت أن الكسل وحده سببه. إن الفرد يعيش داخل شروط اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، وإلغاء هذه الشروط يحوّل تفسير الظاهرة إلى محاكمة للفرد؛ فيُلام الفقير على فقره، والعاطل على بطالته، وتُستعمل قصة ناجح واحد دليلاً على عدالة النظام كله.
وقد يمتد التسطيح إلى اللغة والقيم، حين تُغيَّر أسماء الأشياء لتغيير أحكامنا عليها، فيُسمى الاحتلال تحريراً، والقمع حفظاً للنظام، والاستبداد استقراراً. عندئذ تصبح اللغة وسيلة لإعادة تشكيل الواقع في الوعي بما يخدم القوة.
ويظهر الأمر نفسه في الخطاب الديني حين تُنتزع النصوص من سياقاتها وتتحول إلى أجوبة نهائية تغلق باب الفهم والتأويل والاجتهاد. فالمشكلة ليست في النص، بل في تحويله إلى سلطة تمنع السؤال وتفرض تفسيراً واحداً بوصفه الحقيقة الوحيدة.
تكشف هذه الأمثلة أن التسطيح لا يقتصر على خطأ في تفسير واقعة بعينها، بل يترك آثاراً أعمق في طريقة التفكير والحكم. فهو يعفي الفرد من البحث، ويمنح السلطة فرصة لإخفاء مسؤوليتها، ويحوّل التعقيد إلى ثنائيات مريحة، ويستبدل بالفهم الإدانة.
إن أخطر ما يفعله التسطيح أنه يقتل الدهشة، والدهشة أم السؤال. فالفهم يبدأ حين ندرك أن ما يبدو بسيطاً يخفي وراءه علاقات وأسباباً ومصالح ودوافع. لذلك لا تتمثل معركة المعرفة في مواجهة الجهل وحده، بل في مواجهة التسطيح الذي يرتدي ثياب المعرفة.
فالوعي لا يُقاس بكمية المعلومات، بل بالقدرة على الانتقال من الظاهر إلى ما وراءه، ومن الواقعة إلى شروطها، ومن الحدث إلى شبكة أسبابه، ومن القول إلى ما يخفيه. والمعرفة ليست امتلاك أجوبة جاهزة، بل القدرة على طرح الأسئلة التي تمنع اختزال الواقع.
ولهذا كان التسطيح المقصود خيانة للمعرفة: فمن يعرف تعدد أبعاد الواقعة ثم يحذفها، أو يدرك تشابك أسباب الحدث ثم يرده إلى سبب واحد، أو ينتزع الحقيقة من سياقها لخدمة موقفه، لا يخطئ في المعرفة فحسب، بل يخون مقتضياتها.
فالمعرفة أمانة تجاه الحقيقة، وأول شروطها ألا نعامل الجزء بوصفه الكل، ولا الظاهر بوصفه الماهية، ولا الرأي بوصفه حقيقة، ولا الشعار بوصفه برهاناً.
