لعل التفاؤل بأداء أسواق الأسهم الجيد حتى الآن، على الرغم من مخاوف التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، لا يعكس صورة حقيقية تماماً لما يجري في الأسواق. ليس بسبب أزمة طاقة نتيجة حرب إيران بعد حرب أوكرانيا المستمرة، والتي تمكن الاقتصاد العالمي من تجاوزها بالفعل ولم تضر به كثيراً.
إنما هناك مشكلة، ربما ليست تحت الضوء تماماً، تتفاقم حتى من قبل الحرب الأخيرة، ويمكن أن تنفجر في أي لحظة. ويختلف الاقتصاديون حالياً حول مدى الضرر الناجم عن ذلك الانفجار المحتمل وما إذا كان سيقود إلى أزمة مالية عالمية كما يرى المتشائمون أم سيؤدي فقط إلى تباطؤ اقتصادي.
أما المؤشر القوي على أن تلك المشكلة ربما بلغت ذروتها فهو ما يجري في سوق السندات في الأسابيع الأخيرة. معروف أن سعر سند الدين يتناسب عكسياً مع نسبة العائد عليه، أي أنه كلما هبط السعر ارتفع العائد والعكس بالعكس.
يشهد سوق السندات عمليات بيع كثيفة تهوي بالأسعار وترفع نسبة العائد عليها، ما يعني أن المستثمرين يخرجون من سوق السندات إلى أصول تداول أخرى أقل مخاطرة. فهل هذا مؤشر على أن «فقاعة الديون» العالمية على وشك الانفجار؟ ليس بالضرورة.
كثيراً ما تتحرك أسواق السندات لأسباب لا تختلف عما يؤثر في بقية الأسواق عموماً، من مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى أسعار الفائدة والتضخم وغيرها. لكن استمرار عمليات البيع لأسابيع ومواصلة العائد على سندات الدين الارتفاع هما ما يسببان القلق.
حتى من قبل أزمة كورونا، هناك مشكلة ديون عالمية لكنها تتفاقم منذ ذلك الحين مع استمرار معدلات النمو الاقتصادي العالمي متواضعة واستمرار العجز في ميزانية أغلب الحكومات حول العالم. لذلك، حذر التقرير الأخير لمعهد التمويل الدولي عن «مؤشر الدين العالمي» من الخطر.
حسب تقرير المعهد، وصل إجمالي الدين العالمي في النصف الأول من العام الحالي 2026 إلى 365 تريليون دولار تعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالـي العالمي. وتقترب ديــون الحكومات، أي الدين العام السيادي، من نحو ثلث هذا المبلغ والبقية ديون شركات وديون أخرى.
عند هذا المستوى من الدين العالمي كان مـن المنطقي أن يحذر تقرير معهد التمويل الدولي من الخطر. ومصدر القلق كما يبرزه التقرير هو أن الدين العام الحكومي أكثر من ديون الشركات، رغم أن الأخيرة أكبر حجماً بما يقارب ضعف الديون الحكومية.
أما السبب فهو أن ديون الشركات غالباً ما تكون أطول أجلاً في استحقاق سنداتها من الديون السيادية، وبالتالي فإن معدلات الفائدة (العائد على السند) ليست كبيرة جداً مقارنة بسندات الديون السيادية، وإن كانت أعلى منها بفارق بسيط.
مع ارتفاع العائد على السندات تزيد كلفة خدمة الدين على الحكومات، ما يؤدي بدوره إلى اتساع فجوة العجز في الميزانيات العامة. ويضغط ذلك بدوره على معدلات النمو الاقتصادي هبوطاً. مثال بسيط هو ارتفاع مدفوعات خدمة الدين الحكومي الأمريكي الشهر قبل الماضي إلى ما يقارب تريليون ونصف التريليون دولار.
صحيح أن الدين العام الأمريكي هو الأكبر عالمياً وأن الاقتصاد الأمريكي من القوة والمرونة لتحمل أعباء خدمة الدين، إلا أن استمرار ارتفاع تلك المدفوعات يزيد عجز الميزانية الأمريكية أكثر. ربما تستطيع أمريكا، التي تصدر سندات الدين بعملتها الدولار أن تتحمل ارتفاع الدين وكلفة خدمته. وهو ما يفسر ضغط الرئيس الأمريكي على البنك المركزي كي يخفض أسعار الفائدة بما يتبعه من تراجع سعر صرف الدولار وانخفاض قيمة الدين العام.
لكن الدول ذات الاقتصادات الصاعدة والنامية لا تملك تلك الميزة الأمريكية، وغالباً ما تصدر سندات الدين بالدولار أو اليورو، باستثناء الصين التي تعتبر إلى حد كبير معزولة عن اضطرابات سوق السندات العالمية.
السبب الأهم للقلق من خطر ديون العالم هو أنه لا يمكن للحكومات والشركات الاستمرار في الاقتراض إلى ما لا نهاية، وبالتالي فإن ما لا يستمر للأبد سيأتي عليه يوم ويتوقف. هذا التوقف ربما يكون شرارة انفجار أزمة قد تكون مثل الأزمة المالية العالمية السابقة أو أكبر أو أصغر.
