الأمور تزداد توتراً والوضع صار أكثر خطراً في منطقة الخليج والشرق الأوسط على صعيد الحرب والمواجهة الأمريكية – الإيرانية التي خسائرها البشرية والمادية الهائلة وقعت بالفعل، وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد العالمي وظروف الناس المعيشية والنسيج الاجتماعي، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والسلع والخدمات، تتفاقم، وعند التصعيد، ستكون حرباً شاملة وعنيفة ومُعقدة ومكلفة وصعبة على العالم، وخسائرها أكبر، ونِطاقها الجغرافي أوسع، وتتشابك مع مواجهات وحروب أخرى في المنطقة، كونها مُترابطة، وعلاقاتها مُتبادلة، تؤثر في بعضها البعض، ويحدث صراع إقليمي وعالمي.
رغم أن مسؤولين أمريكيين في أوائل سبتمبر/أيلول 2026 ذكروا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجري جلسات خاصة مع كبار مساعديه بشأن إمكانية إعلان إنهاء الحرب على إيران، وأبدى تأييده لفكرة إنهاء الحرب، إِلا أن الرئيس الأمريكي في خطابه في 23 سبتمبر/أيلول 2026 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81، هَدّد إيران بالإبادة، وقال إنه يُفكر في استئناف الضربات على إيران باستمرار؛ لأنه لم يُحْرَز تقدم في المفاوضات الأمريكية – الإيرانية غير المباشرة. وذكر جنود أمريكيون لشبكة «إم إس ناو» الإخبارية الأمريكية في 4 سبتمبر/أيلول الماضي: «تلقينا أوامر من البنتاغون لقصف منشآت مدنية إيرانية»، وأصدرت السفارات الأمريكية في المنطقة تحذيرات أمنية لمواطنيها، وحاملة الطائرات «روزفلت» ومجموعتها الضاربة، ومجموعة «ماكين آيلاند» وعلى متنها أكثر من 2000 مارينز، تتجه إلى الشرق الأوسط، وبحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ستكون هناك 3 حاملات ومجموعتا إنزال أمريكية قرب إيران، وسلّحت الإدارة الأمريكية إسرائيل بنحو 60 ألف قنبلة ورأس حربي كبير الحجم، غير معروف نطاقها القتالي. وفي 1 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، نصحت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي بتجنب التحليق في أجواء المنطقة حتى 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
هذه التطورات المُتزامنة مع اشتداد الحصار البحري والجوي والاقتصادي الأمريكي ضد إيران، تُثير بعض الشكوك في احتمال استئناف القتال بين الولايات المتحدة وإيران في المستقبل القريب. المواجهة الأمريكية – الإيرانية تنحو للتصعيد حتى موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل ومستمرة بعد ذلك حتى نهاية الفترة الرئاسية الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2029 إِذا لم توقفها المعارضة الأمريكية المتوقع فوزها في انتخابات التجديد النصفي، وبالتالي، تتراجع الإدارة الأمريكية عن الحرب.
سيناريو الحرب ماثل استناداً إلى خُبراء؛ أصول القوة العسكرية الأمريكية هي قواتها الجوية والبحرية، بعضها موجود في المنطقة، وبعضها حاملات طائرات وبوارج تُبحر من الولايات المتحدة لمسافة 6000 ميل حتى تصل إلى إيران التي تستعد للقتال عند عتبة دارها بقواتها البرية تسندها قواها الدفاعية والهجومية، التي تعمل على كسر حالة الحصار الأمريكي عليها بإجراءات عسكرية واقتصادية وسياسية مُضادة.
قد تشن الولايات المتحدة، بمفردها، أو بالشراكة مع إسرائيل هجوماً جوياً على إيران لتدمير بنيتها التحتية الحيوية، أي مهاجمة مُنشآت النفط والطاقة والمواقع النووية، ما يدفع إيران لمحاولة رفع مستوى ونوعية تسلحها، وزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من نسبة 60% الحالية، وقد تنسحب من معاهدة عدم الانتشار النووي؛ كما صرّح بذلك الكرملين.
إن ذلك لو حدث فسوف تتوقف إمدادات الطاقة والبتروكيماويات والمنتجات المُكررة والأسمدة والكبريت المُصَدَّرَة من الخليج، وتتضرر منظومات الإمداد واللوجستيات، وتتوقف مصانع كثيرة حول العالم، وتحدث مجاعات وهجرات واحتجاجات وإضرابات وأعمال عنف، ويتضرر النظام المالي العالمي، وينهار الاقتصاد العالمي، وهذا معناه كساد ودمار عالمييّن.
التصرف الذكي والعقلاني والمنطقي هو التراجع عن الحرب لمصلحة المنطقة والولايات المتحدة والعالم، وما يساعد على تحقيق ذلك، نهاية نظام القطب الواحد واتجاه العالم نحو نظام التعددية القطبية الذي يتشكّل بتوازناته، ويُمكن استثمار اللقاءات والحوارات الدبلوماسية الدولية، لإيجاد مخارج ومسارات سياسية للمواجهة الأمريكية – الإيرانية في الخليج ولكافة أزمات وحروب ومواجهات المنطقة.
وقد حث الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الولايات المتحدة وإيران على التهدئة وحل «أزمة مضيق هرمز» دبلوماسياً عبر التفاوض، وأبدى استعداده للوساطة بين الطرفين. رغم التباينات والتصورات الخاطئة، إلا أن السلام يظل ممكناً بين الْمُتَحَاربينَ، إذا ما استشرفوا وجه الحرب الصارم والكئيب قبل وقوعها لتجنبها، وبحثوا خلافاتهم وعملوا على تسويتها سياسياً عبر التفاوض وتحلّوا بالمرونة للتوصل إلى تفاهمات نهائية أو جزئية تتمتع بضمانات تُبْحث تفاصيلها لاحقاً، لأجل تحقيق «سلام واقعيّ» توافقيّ و«أمنٍ مُستدامٍ» تشاركيّ و«تعايش عَملي» وانفراج بين الْمُتَحَاربينَ على المستويين الإقليمي والعالمي.
