الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الغرف المُغلقة حواضن للتطرف

15 أكتوبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 15 أكتوبر 2026 00:12 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
بدعوة كريمة من مجلس شباب النيابة العامة في إمارة الشارقة، بالتعاون مع نادي دبا الحصن الرياضي الثقافي، شاركتُ متحدثاً في الجلسة الحوارية الرائدة عن «الأسرة والذكاء الاصطناعي»، في 18 سبتمبر(أيلول) المنصرم، التي ناقشت تأثير الذكاء الاصطناعي في منظومة الأسرة، وسبل توظيف تقنياته بما يحافظ على القيم والترابط الأسري. وكان السؤال المركزي، الذي تداول فيه المتحدثون ونخبة متميزة من أولياء الأمور، والشباب، والتربويين، وموظفي وأعضاء السلطة القضائية بالنيابة العامة، يتمحور حول: هل سيتولى الذكاء الاصطناعي مهمة تربية أبنائنا؟
الحقيقة أنّ الواقع الرقمي، الذي نعيش فيه، يُوسّع قدرة الأسر على تعزيز التواصل والحفاظ على التقارب وصِلة الرحم، وتكوين ذكريات مشتركة، وتنسيق المسؤوليات، والتعلّم والاستمتاع بالأنشطة معاً. كما يُتيح مسارات إلى الإرشاد النفسي والاجتماعي والاستشارات عن بُعد، والتوعية والتثقيف الديني والأسري، والتوجيه القضائي، وشبكات الدعم الأوسع. وهذه الفرص مترابطة، فقد يكشف التواصل اليومي عن حاجة، وتساعد المعلومات الميسّرة على توضيحها، وتوفر الخدمات الموثوقة المساعدة قبل تفاقم الصعوبات.
وخلصت مناقشات الجلسة الحوارية إلى أنّ قوة الأسرة تنشأ من التفاعل الهادف والدعم الذي يمكن الاعتماد عليه، لا من الاتصال الرقمي وحده. وقد يوسع الذكاء الاصطناعي هذه الموارد من خلال المساعدة في التواصل وتنظيم العمل المهني، ولكن إسهام التطبيقات الرقمية أو نماذج الذكاء الاصطناعي في التنشئة الاجتماعية لأبنائنا محل تساؤل، بل أقول محل شك: فيجب ألا نترك الناشئة لرفيق افتراضي أو صديق اصطناعي، «يُربّيه» لنا، وينشئه، في الغرف المغلقة، على ما لا ندري من المثل والقيم، ويلقي في عقله وقلبه أفكاراً وخواطر ما أنزل الله بها من سلطان. ويجب أن يشرع الوالدان في تفعيل دورهما الأهم في حياتهما وهو تربية أبنائهما.
ولعل من حُسن الطالع أن تتناول خطبة الجمعة، في 9 أكتوبر(تشرين الأول)، في مساجد الدولة نفس الموضوع تقريباً، مع التركيز على مخاطر ترك أبنائنا في غرف مغلقة، وعالم افتراضي، نهباً لأفكار التطرف. وأكد خطباء المساجد أنّ «عقول أبنائنا أمانة، والغفلة عنها خسارة وندامة»، ودللوا على ذلك بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحَفِظ أم ضيّع، حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته».
وأوضح أئمة مساجدنا أنّ التطرف قد «يبدأ بفكرة مضللة، تجد من يزينها ويغذيها»، سواء أكان صاحب حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، أو منصات الألعاب الإلكترونية «حتى تتحكم في متلقيها من أبنائنا، فتغرس فيهم الكراهية، وتدفعهم إلى العدوان.
ولا تقتصر مخاطر الواقع الرقمي على ما قد يغرسه من أفكارٍ متطرفة، قد تقود إلى العنف والإرهاب، أو أفكارٍ منحرفة تفضي إلى الانحلال ومساوئ الأخلاق، ولكن أكبر مخاطره جميعاً تتمثل في التمهيد، أو خلق حالة من الاغتراب لدى الناشئة. فيعيش الأبناء بيننا وهم يشعرون بأنهم لا ينتمون إلى أسرهم، ومجتمعهم، ووطنهم. يعيشون في عزلة معنوية، أو «غربة» شعورية. وهذه أقسى الآفات النفسية للتطبيقات الرقمية ونماذج الذكاء الاصطناعي. وقد تدفعهم هذه الحالة إلى العنف، أو التخلص من حياتهم، أو هجرة الأهل والوطن. وهكذا، قد تلقي حالة الاغتراب هذه بظلالها الكئيبة على أسرنا، ومجتمعنا، ووطننا، وسوف يكون لها، بلا شك، آثار وخيمة في مقدراتنا الاقتصادية والثقافية، وغيرها، أفدح تأثيراً من تداعيات الاختلال في التركيبة السكانية.
ولا ينبغي، بحال، أن نُقلل من وطأة حالة الاغتراب هذه، فقد كانت محوراً إشكالياً رئيسياً دارت حوله فلسفة المفكر الفرنسي الشهير، جان جاك روسو. ومن اللافت للنظر أنّ الفيلسوف الفرنسي تنبأ بتداعيات سلبية لتطور الحضارة والمدنية، والصناعة، والزراعة، أو تطور التكنولوجيا إن جاز التعبير، على أفراد المجتمع، وعلى رأسها خلق وتنمية الشعور بالاغتراب. وقد حاول «روسو» في كتاباته المختلفة، بخاصة عن العقد الاجتماعي، أن يجد حلاً مبتكراً لمشكلة الاغتراب الفردي في المجتمعات المعاصرة، تمثل في فكرة «الإرادة العامة». وعلى الرغم مما قد يغلف هذه الفكرة من غموضٍ أحياناً، فإنّ جوهر «الإرادة العامة» هي أن ينصهر كل فرد من أفراد المجتمع في المجموع، فهو جزء منه، وإرادة المجتمع تعبّر عن إرادات أفراده. والإرادة العامة، يا سادة، لا تُخطئ، ولا تنحاز.
وتعبّر عن الإرادة العامة القيادة الرشيدة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي جعلت من هذا العام عام الأسرة، بهدف «تمكين الأسرة الإماراتية لتنمو وتنتمي»، والتأكيد على أن الأسرة هي الركيزة الأساسية لمجتمع قوي ومزدهر. ولا يمكن للأسرة أنْ تنمو وتنتمي وأفرادها أسارى الغرف المغلقة، في معية أخلاء افتراضيين. ولا يُتصور أن تغدو الأسرة الركيزة الأساسية للمجتمع، وقد غفل الأب، أو الأم، عن عقل ولدهما وفكره، «فيتركانه فريسة لمن يتسلل إليه من وراء شاشة، عبر مقطع أو رسالة، فيسلبه رشده، ويشوّه فكره، ليغيّر نظرته إلى دينه ووطنه، وهو بين أهله لم يغادر بيته».
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة