في مقهى صغير أثناء فعالية توظيف قال شاب حديث التخرج لآخر وهو يقلب سيرته الذاتية: أيهما أنفع لي في سوق العمل برأيك؟ أن أحسن لغتي العربية أم أتعلم مهارة جديدة؟ رد عليه زميله: ولماذا تفصل بينهما؟ ضحك وقال: لأن العربية لا تدعم توظيفي كما تعلم، نحبها نعم لكن الوظائف تتكلم لغة أخرى.
وسؤال الشاب ليس غريباً لأنه شائع إلى حد مقلق ويختصر فكرة استقرت في أذهان جيل كامل بأن السوق والنجاح المهني بحاجة إلى لغة أخرى. ولكن هل هذا الاختيار حقيقي؟ أم أننا لم نحسن قراءة ما يحدث؟
في الاقتصاد مفهوم يسمى «العائد على التعليم»، أي ما يضيفه كل عام دراسي إلى دخل الإنسان وفرصه، لذا ربما علينا أن نطرح سؤالاً مشابهاً: ما العائد اللغوي للعربية؟
ولماذا لا نعرف كلنا بوجود هذا العائد الذي لا يظهر في كشف الراتب، بل يتسلل إلى مسيرة الموظف الذي يكلف بمخاطبة الجمهور لأنه يكتب بوضوح، وفي العميل الذي شعر بأنه مفهوم، وفي الإعلان الذي يصل إلى القلب لأنه كتب بالعربية ولم يترجم إليها.
وفي الجهة الأخرى كلفة صامتة أيضاً، لافتة يتندر الناس بخطأ واضح عليها، وعقد يلتبس معناه، ومؤسسة تدفع للمراجعين والمترجمين ثمناً مضاعفاً لم تلتفت إليه في البداية، والنتيجة دفع فاتورة إهمال العربية كل يوم، لكننا لا نحسبها جيداً.
والمفارقة أن أكثر من انتبه اليوم إلى قيمة العربية هم صانعو الذكاء الاصطناعي، فالشركات تتسابق لتعليم نماذجها الفصحى واللهجات، لأنها ترى وراء هذه اللغة جمهوراً هائلاً وسوقاً لم يخدم بعد. وهذا السباق يفتح أبواباً جديدة للعمل في تدريب النماذج ومراجعتها، وفي صناعة المحتوى العربي الذي تتغذى عليه.
إنني لا أدعو إلى أن نحب العربية من أجل المال، بل إلى ألا نتخلى عنها خوفاً من عدم الحصول على وظيفة أو مهنة ذات مسار واضح ومتقدم، فاللغة لا تعيش بالحنين وحده، بل حين يحتاج إليها الناس في يومهم. والطريق إلى هذه المصالحة ليس معقداً، بل من خلال قياس إتقان العربية في التوظيف كأي مهارة أخرى بمعيار واضح، ومكافأة المؤسسات التي تخاطب جمهورها بعربية رفيعة، وتعليم أبنائنا معنى عربية المهنة التي تكتب التقرير وتفاوض وتقنع ثم نرصد هذا العائد بمؤشر وطني.
عندها ولو التقيت ذلك الشاب لقلت له: لا تختر بين لغتك ومستقبلك. فقد تكون عربيتك إن أتقنتها، أثمن مهارة في سيرتك الذاتية، فقط لأن قلة من منافسيك انتبهوا إليها.
