الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الفكر الإماراتي كما يرويه التراث

18 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 18 أكتوبر 2026 00:06 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
للتراث الإماراتي ذاكرة تُروى بالعمارة، والبارجيل أحد أجمل فصولها؛ فيه تلتقي الحكمة بالجمال، والحاجة بالابتكار. ارتفع فوق الأسطح يستقبل الهواء ويوجهه إلى داخل البيوت، وصنعه أجدادنا بأدوات الملاحظة والتجربة والتصحيح، وخلفه عقلٌ عرف كيف يقرأ بيئته ويحوّل تحدياتها إلى فرص، ولا تكمن قيمة البارجيل في هندسته وحدها، بل في الفكر الذي سبق بناءه.
وفي الأفلاج، نرى المنهج ذاته أمام تحدٍ مختلف؛ حين كان الماء نادراً، كان الجواب في فهم الأرض، ونقل الماء وتوزيعه بعدل، في نظام بلغ من الحكمة أن أدرجته «اليونيسكو» عام 2020 في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
وفي العمارة، اختلفت مواد البناء بين الساحل والواحة والجبل، وكان لكل تفصيلة غايتها. وحين درستُ التصميم الداخلي، أدهشتني عبقرية الفناء الذي تشترك فيه البيوت العربية القديمة، ومنها بيوتنا؛ فهو يمنح المسكن الضوء والهواء، ويمنح المرأة خصوصيتها وحرية الحركة داخله. وأتمنى أن نعيد تبنيه في عمارتنا الحديثة، لا زخرفة تراثية، بل فكرة ما زالت صالحة.
تظهر هنا صفة متكررة في فكر الأجداد: الاقتصاد في الوسيلة، والثراء في الحل. لم يكن السؤال: ماذا ينقصنا؟ بل: ماذا نملك؟ وكيف نستفيد منه؟ فالريح التي حملت حرارة الصيف أصبحت وسيلة للتخفيف منها، والنخلة لم تكن للتمر وحده، بل صارت أجزاؤها مواد للبناء والحرفة.
واليوم، تمنحنا الجامعات والمختبرات والتكنولوجيا ما لم يُتح للأجداد، وحين تلتقي هذه الأدوات بفكرهم يولد الابتكار، فبرج الرياح في مدينة مصدر بأبوظبي استلهم البارجيل بتقنيات حديثة ليلطّف هواء ساحاتها، مؤكداً أن الأداة، مهما تطورت، تزدهر حين يقودها عقل يعرف ماذا يريد منها.
علينا أن نعلّم أبناءنا أن البارجيل ليس قطعة معمارية نحفظ اسمها، بل سؤال ينتظر من يطرحه: لماذا بُني بهذه الطريقة؟ وما المشكلة التي جاء ليحلها؟ وحين يبحث الطفل عن الإجابة، سيكتشف خلفه إنساناً تأمل بيئته، واستفاد مما لديه، وجرّب حتى وجد ما يناسبها، هنا يتحول التراث من معلومة نحفظها إلى طريقة تفكير نورثها، فالجيل القادم سيواجه تحديات لا نعرفها، ولا يكفي أن نورثه إجابات الماضي، بل صفات من صنعوها: الملاحظة، والمرونة، وحسن استخدام الموارد، والصبر على التجربة.
سيبقى البارجيل شاهداً على عقلٍ لم ينتظر الحلول، بل صنعها. تغيرت الأدوات وستتغير، لكن الفكر الذي يقرأ زمانه ومكانه لا يشيخ. 

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة