ثمة أناس نتذكرهم دائماً وهم يضحكون. يملأون الأمكنة بحضورهم، يطلقون النكات، يخففون عن الآخرين، ويبدون كأنهم يملكون فائضاً من الخفة يسمح لهم بأن يوزّعوه على من حولهم. نطمئن إلى وجودهم، وربما نلجأ إليهم حين تضيق بنا الحياة، لكن ماذا لو كان بعض هؤلاء يخوضون معركتهم الخاصة في صمت، وأن الابتسامة التي نألفها منهم، هي الوجه الذي اختاروه كي لا يضطروا إلى شرح ما يجري في داخلهم، أو كي لا يفسدوا على الآخرين الصورة التي اعتادوا رؤيتهم فيها؟
هذه واحدة من المفارقات التي يضعنا أمامها ما يُعرف ب«الاكتئاب المبتسم»: أن يبدو الإنسان سعيداً في الخارج، بينما يعاني في داخله الحزن، أو الفراغ، أو فقدان المتعة. وليس الأمر بالضرورة خداعاً للآخرين، فقد يكون المرء نفسه عاجزاً عن تسمية ما يشعر به، فيردّ ما يعتريه إلى التعب وضغوط الحياة، ويواصل يومه كأن شيئاً لم يحدث.
في تقرير بعنوان «ما هو الاكتئاب المبتسم؟ وكيف تعرف إذا كنت مصاباً به؟»، يعرض كاتبه هذه الظاهرة من خلال آراء باحثين ومتخصصين في الصحة النفسية، خلصوا إلى أن عمليات البحث عن «الاكتئاب المبتسم» ارتفعت بنسبة 50 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية، وأهمية الفكرة ليست في المصطلح بالضرورة، بل في ما يكشفه من فجوة بين ما يراه الناس، وما يعيشه الإنسان فعلاً.
خير من عبّر عن هذه الفكرة الفنان الراحل زياد الرحباني في إحدى حلقات برنامجه الإذاعي الساخر «أفراح»، حين قال: «كل ما تسألني كيفك بتذكر إني مش منيح، لأني صراحة مش منيح، بس معقول تقلي كيفك وقلك مش منيح؟ بدك موضوع من غيمة انت»، قاصداً أنه لو أجاب على سؤال سائله بأنه «مش منيح» سيفتح أبواباً للأسئلة عن الأسباب التي تجعله «مش منيح».
ولعل الفنانة سعاد حسني، التي أدخلت البهجة إلى نفوس الملايين بخفة روحها وعفويتها، تجسّد جانباً مما عنيناه في حديثنا هذا. أحبّها الناس وهي تغني، وترقص، وتضحك، ورأوا فيها وجهاً مشرقاً للحياة، لكن الصورة التي ألفوها على الشاشة لم تكن مرآة لحياتها الخاصة، التي عرفت صعوبات وأزمات نفسية. وهنا المفارقة المؤلمة: ينجح الإنسان في منح الآخرين أسباباً للفرح، من دون أن يكون قادراً على العثور على الفرح نفسه في حياته.
