إذا نطقت كلمة «طعم» بفتح الطاء وتسكين العين كان معناها المذاق، وإذا ضمت الطاء صار معناها ما يلقى للصيد، وجمعها في كل الحالات طعوم.
ولقد ذقت طعوماً في طفولتي لا يمكن أن تسقط من ذاكرة ذائقتي، كما شممت روائح بقيت ماثلة في خشمي.
ومما بقي معي طعم الخبز (العيش) الفلاحي الذي تنوع بين ما هو مصنوع من الذرة أو من القمح أو من خليطهما أو مضافاً لدقيقه الحلبة، لتحول دون أن يلحقه العفن. والكل تضاف إلى عجينته الخميرة لكي يتخلله ثاني أكسيد الكربون.
وكانت تتنوع طريقة ترقيقه، أي بسطه وفرده، وكان منها «التبطيط» على ما يسمى «المطرحة»، وتستخدم راحة اليد لتدق على العجينة المتخمرة. ومنها «الشطح» على «مطرحة» مصنوعة من أعواد جريد النخل، وتفرد العجينة برفعها إلى أعلى مرة بعد أخرى دون الدق عليها بالكف، لأنها لزجة يمكن أن تلتصق باليد.
وما كان يُعد دون إضافة الخميرة هو خبز رقيق يضاف اللبن الحليب والرائب والملح لدقيقه، ثم يفرد ويسمونه في ريف مصر «رحّالي»، أي لزوم الرحلة إلى الغيط (الحقل) أو لزوم ضيوف حلّوا فجأة وسيرحلون بسرعة.
وكان «العيش البطاطي» هو ما يرسل إلينا في الغيط ومعه مخللات الباذنجان واللفت والنارنج، والجبن المغموس في الـ«مِش»، ونادراً جداً ما كان الغموس طعاماً مطهواً.
وكنا نحسّن طعم الوجبة بالأعشاب التي تنمو طبيعياً في الغيط، ومنها «الجعضيض» أو «الجلوين»، و«السريس» والبصل الأخضر والفجل والجرجير، وأحياناً القمم الخضراء (الشواشي) للفول!
وقد اجتهد أهلي الفلاحون فقالوا إن أصل تسمية الجعضيض، وهي نبتة خشنة الأوراق وفيها مرارة خفيفة، أن العرب عندما دخلوا الدلتا، إبان الفتح العربي، نفد زادهم فاستعانوا بتلك النبتة وشبعوا فقالوا «جوع ضاع» وصارت «جعضيض».
ثم إن خشمي أو أنفي تتوق لرائحة نزول المطر على تراب السكك عند بداية الشتاء، حيث بقي جفاف التراب ممتداً طوال الربيع والصيف والخريف، وعندما يهطل المطر تفوح رائحة مميزة أكاد أسميها «رائحة الخصب»، إذ يخصب الماء التربة لتستعد للإنبات وتكف عن ضخ الغبار في الهواء، ليتدخل «العفاريت» ويحولوه لدوامة تدور وتسير بسرعة حاملة الأعشاب الجافة، حسب الأسطورة الشعبية.
