ليس أشد قلقاً على السلطة ممن يملكها ويخشى أن تضيق بين يديه. فالخسارة عند من ينتظر الحكم حرمان من فرصة، أما عند من اعتاده فهي اقتطاع من قدرة، وانتزاع من نفوذ. وربما لهذا لا يخشى بعض الحكام أن يغادروا مناصبهم بقدر ما يخشون أن تبقى مناصبهم وتغادرها القوة.
ولعل دونالد ترامب، وهو يستعد للانتخابات النصفية، يدرك أن اسمه لن يكون على ورقة الاقتراع، لكن سلطته ستكون عليها. فالرئيس الذي يملك البيت الأبيض وأغلبية الكونغرس، قد يستيقظ بعد الانتخابات مالكاً الأول، فاقداً بعض مفاتيح الثاني، وهذه ليست خسارة مقاعد، بل احتمال انتقال رئاسته من صناعة القرار إلى الدفاع عنه.
ولعل قراءة تحركات ترامب قبيل الانتخابات، عبر ثلاثة مشاهد من بين غيرها تكشف كيف تتعدد أدوات الرئيس وتتباين ساحاتها، بينما يظل هاجس الاحتفاظ بالسلطة خيطها الناظم.
*المشهد الأول: في جورجيا، وقف ترامب أمام أنصاره مطالباً إياهم بالتصويت كأنه شخصياً يخوض الانتخابات. لم تكن العبارة مجرد حيلة لحشد الناخبين، بل اعترافاً بمأزق زعامة استطاعت إخضاع الحزب لشخصها، فالحزب الذي يستمد قوته من رجل واحد، قد يكتشف أن غياب الرجل عن ورقة الاقتراع يترك فراغاً لا تملؤه صورته.
*المشهد الثاني: في الثاني عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، فتش عناصر الأمن الداخلي منزل النائبة الديمقراطية إلهان عمر، مصادرين جواز سفرها وهاتفها، فيما طالت استدعاءات هيئة المحلفين بعض أقاربها، ضمن تحقيق يتصل بتاريخ هجرتها وجنسيتها. جاء ذلك بعد أيام من هجوم ترامب عليها وعلى بلدها الأصلي. وتنفي عمر الاتهامات، فيما تؤكد وزارة العدل قانونية إجراءاتها.
هنا لا تكمن الخطورة في التحقيق بذاته، فلا حصانة انتخابية من المساءلة الجنائية. إنما في توقيته وحدود استقلاله. فعُرف الستين يوماً الذي تتبعه وزارة العدل ليس قانوناً يحظر التفتيش، لكنه ضمانة لحماية الانتخابات من شبهة التأثير القضائي.
ولأن مقعد إلهان عمر يعد آمناً نسبياً، يبقى السؤال: ما المكسب الانتخابي من استهدافها خطابياً؟ ربما لا يتعلق الأمر بإسقاطها، بل بتحويلها إلى رمز يستدعي مخاوف ناخبين في دوائر أخرى.
*المشهد الثالث: الاختبار الأثقل لترامب في الداخل، تصنعه هذه المرة حرب في الخارج، فصناديق الاقتراع الأمريكية لن تنفصل عما يجري في إيران، بعدما أصبحت الحرب التي أرادها خاطفة، عبئاً سياسياً يطول أمده، وتتآكل معه شعبية الرئيس وصدقية وعوده. ولعل المفارقة أن ترامب، الذي ذهب إلى الحرب ليُخضع خصمه، بات يخشى أن تُخضع نتائجها حزبه لحكم الناخبين.
فالحرب التي وعد بحسمها خلال أسابيع تدخل شهرها الثامن، وقد هبط تأييده إلى 32%، فيما يعارض نحو 65% من الأمريكيين إدارته لها.
وبين صندوقين انتخابيين أحدهما إسرائيلي والآخر أمريكي، يبدو أن الحرب باتت معلقة. وبينهما أسبوع واحد، قد تتبدل بعده حسابات نتنياهو، فيما يظل ترامب أسير استحقاقه، فهل يفتح انتهاء المعركة الإسرائيلية باب التسوية، أم يرفع عن حليفه حرج التصعيد؟
ولأن الدستور الأمريكي عصي على السهولة والتساهل، يعطينا من جعبته شيئاً من التعقيد حتى بعد انتهاء الانتخابات، فحتى خسارة الجمهوريين لن تقيد ترامب فوراً، فالكونغرس الجديد لا يتسلم سلطاته قبل الثالث من يناير (كانون الثاني)، تاركاً شهرين للأغلبية القديمة، يستطيع خلالهما الرئيس مواصلة التفاوض أو التصعيد ضمن صلاحياته القائمة، قبل أن يواجه رقابة أشد إن انتقلت الأغلبية إلى الديمقراطيين.
وهنا مأزقه: هل يعجل بتسوية تحفظ صورة المنتصر، أم يؤجل الحسم إلى ما بعد الانتخابات متحرراً من حسابات الناخبين؟ ففي الحرب كما في السياسة، يستطيع الرئيس اختيار موعد قراره، لكنه لا يملك وحده كتابة نتائجه.
وبين جورجيا وإلهان عمر، وصولاً إلى طهران: ثلاث ساحات تختلف أدواتها، ويجمعها صراع الرئيس مع حدود سلطته، أصوات لا يضمنها، ومؤسسات لا يجوز أن يمتلكها، وحرب لا يستطيع أن يُملي نتائجها.
لعل مأزق ترامب ليس أن يخسر الانتخابات وهو رئيس، بل أن يبقى رئيساً بعد أن تخسر سلطته شيئاً من اتساعها. فالدستور الأمريكي لم يُكتب ليحدد متى يغادر الحاكم فحسب، بل ليمنع بقاءه من أن يصير امتلاكاً للدولة.
وبين صندوق يراجع التفويض، ورئيس يريد تمديده، تقف الديمقراطية أمام امتحانها الأقدم: أن تبقى السلطة في يد من يحكم، دون أن تصبح البلاد ملكاً لمن يملك السلطة.
