الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

في صلات الاقتصاد والسياسة

19 أكتوبر 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 19 أكتوبر 2026 00:18 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يعرف العاملون في حقل الدّراسات السّياسيّة والعلاقات الدّوليّة أنّ الاقتصاد حسّاسٌ جدّاً تجاه الأزمات المفاجئة أو المتوقّعة، وأنّه سرعان ما يشهد على انكماشٍ أو تراجُعٍ أو أيِّ نوعٍ من أنواع الاختلال وعدمِ الاستقرار ما إنْ يجد نفسَه أمام أيّ مشكلة. لعلماء الاقتصاد ما يفسّرون به هذه الحالة: ارتباطُ أحوال الاقتصاد، إيجاباً وسلباً، بأوضاع السّياسة وعدمُ قدرة هذا الاقتصاد على التّحكُّم في نفسه - بميكانيزماته الذّاتيّة - لوقوعه تحت طائلة الآثار السّياسيّة الوافدة عليه من الخارج.
أمّا علماءُ السّياسة والباحثون في العلاقات الدّوليّة - الذين يصادقون على هذا الرّبط العضويّ بينهما - فيضيفون إلى ذلك ما يفيد أنّ العلاقة بينهما ليست علاقةً من جانب واحد، بل متبادَلة الأثر، حيث إنّ السّياسة التي يخشى منها الاقتصاد وقُواهُ وينسُبون إليها مشكلاته هي عينُها تلك التي تُسعِفه، عند الشّدّة، بسياساتٍ إنقاذيّة، لذلك ليس للاقتصاد، بالتّالي، أن يكون عن آثارها بمعزلٍ ولا أن يقوم بذاته من دونها، فهي بيئتُه المحيطة والماءُ الذي فيه يسبح والموردُ الذي يمتح منه شروطَ الإمكان.
ليس في حساسيّة الاقتصاد تجاه السّياسة ما يُستَغرب، إذِ السّياسةُ مرجِعُ حركة الاقتصاد، في أيّ اجتماعٍ إنسانيّ، وضابطُ إيقاعها والمؤطِّرُ لها الذي يرسم الوجهات ويفتح الممكنات أو يُغلقها في وجهها. أليس بالسّياسات ينتظم أمرُ النّشاط الاقتصاديّ ويَنْحَكم بأحكامها؟ إنّها هي التي تسُنّ القوانين والتّشريعات التي تُنَظِّم كل عملٍ اجتماعيّ بما فيه النّشاط الاقتصاديّ، على النّحو الذي لا مجال فيه للحديث عن استقلاليّة ناجزة لأيّ عملٍ وإنْ بَدَا حُرّاً: على ما قد توحي بذلك، مثلاً، عبارة «الاقتصاد الحرّ». قوانينُ السّياسة وتشريعاتُها، وهي صادرة عن مؤسّسات سياسيّة عليا، تشمل كلّ ما يدخل في تكوين العمليّة الاقتصاديّة: قوانين الاستثمارات، الضّرائب، التّجارة، الملكيّة، نِسبُ الفائدة التي يحدّدها البنك المركزيّ... وما إلى ذلك.
الاقتصادُ لا ينمو في أجواء ملبَّدة وفي بيئة صراعيّة، وهذا ما تُدركه السّياسة وتُسلِّم بمصلحتها فيه. هذا يعني، ابتداءً، أنّ خضوع الاقتصاد لشرائط السّياسة يرتِّب على الأخيرة مسؤوليّة تأمين ظروف صحّيّة مواتية للاقتصاد والنّشاط الاقتصاديّ.
ولمّا كان الرّأسمال جباناً، كما يقال، يتنكّب عن أيِّ إقدامٍ ما إنْ يشعر بأنّ بيئة الاستثمار غيرُ مستقرّة ويتعتورها ظواهرُ مأزمة، كان غالباً ما يميل إلى الانكماش والإضراب (عن الاستثمار)، أو البحث عن وِجهات أخرى أدعى إلى الاطمئنان، الأمر الذي تصيب المجتمعَ (والدّولةَ بالتّالي) أضرارٌ مادّيّة كثيرة من ذلك الانكفاء الاستثماريّ أو من نزوح الرّأسمال. لكنّ موقفاً ثانيّاً يُبديه الرّأسمالُ وقواهُ، أحياناً، قد لا يكون أقلّ خطورةً على المجتمع والدّولة من الموقف الأوّل، إنّه مناصبةُ الاقتصاد العداءَ للدّولة ودعوةُ قواهُ إيّاها إلى كفّ يدها عن التّدخّل في الحياة الاقتصاديّة.
تبدأ مطالبات الاقتصاد، هنا، بداياتٍ «متواضعةً» بالدّعوة إلى الخوصصة، وتحرير الأسعار، واحترام «قوانين السّوق»، وتقديم الحوافز، وتنشيط القروض... ولكنّها قد تستقرّ على نهاياتٍ مدمِّرة من جنس المطالبة بتقييد وجود الدّولة وعملها بل ووقْف أيِّ تدخُّل منها في الميادين الاقتصاديّة! وما اللّيبراليّة المتوحّشة التي عادت لتفرض نفسَها في النّظام الرّأسماليّ، منذ العهد الرّيغانيّ- التّاتشريّ، في ثمانينيّات القرن العشرين، حتّى اليوم إلاّ التّبدّيّ المادّيّ لرجحان كفّة المطالبات القُصوويّة لقوى الرّأسمال في مجتمعات اليوم.
في مثل هذه العلاقة المعقّدة بين الاقتصاد والسّياسة، في المجتمعات المعاصرة، نحن لا نستبعد أن تتصرّف السّياسةُ تُجاه الاقتصاد تصرّفاً انتفاعيّاً ومن جانبٍ واحد، كأن يحرص نظامٌ سياسيّ مّا على استثمار مكتسبات التّنمية الاقتصاديّة في بلدٍ مّا لتعظيم مكانته السّياسيّة وترسيخ قوّته التّمثيليّة وسط الشّعب والجمهور النّاخب.
بمقدار ما تحتاج الدّولة إلى ثمرات الاقتصاد الوطنيّ مورداً لعملها، يحتاج الاقتصاد إلى الدّولة حامياً وملاذاً. في مثل هذه العلاقة الصّحّيّة نفهم لماذا كانتِ السّياسةُ/ الدّولة تَهْرَع إلى إنقاذ الاقتصاد إنْ ألمّت به مصيبة، على نحو ما فعلت في الأزمتين الاقتصاديّتين العالميّتين لعام 1929 وعام 2008: لقد كانت، عمليّاً، تنقذ نفسَها بإنقاذه.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة