حينما تتداخل الأعباء الصحية مع التحديات المالية، يتحول الحصول على العلاج المكلف إلى اختبار لقدرة المريض وأسرته على الاحتمال، فليس أصعب على الإنسان من أن يواجه مرضاً، يهدد قدرته على الحركة وممارسة حياته الطبيعية، إلا أن يجد نفسه أمام معركة أخرى لا تقل قسوة، تتمثل في كيفية تأمين كلفة العلاج، وهي المعضلة التي يعيشها المصابون بمرض ضمور العضلات الدوشيني.
المشكلة تتفاقم حين تواجه بعض الحالات صعوبات في الحصول على التغطية التأمينية، كما أن كثيراً من الجمعيات الخيرية تتردد في قبول هذه الحالات، بسبب ارتفاع كلفة العلاج، بحجة أن مبلغ علاج حالة واحدة، يمكن أن يساعد أعداداً أكبر من المرضى من ذوي الدخل المحدود.
من هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في حلول مستدامة تتبناها جمعيات، من خلال إنشاء وقف صحي متخصص لدعم المصابين بهذه الأمراض، لأن علاج حالة واحدة يتطلب الملايين، ويمكن لهذا الوقف أن يشكل مظلة تمويلية مخصصة للحالات التي تستنزف نفقات علاجها موارد الجهات المانحة، ويتيح بناء آلية واضحة لتقييم الاحتياجات، وتحديد الأولويات الطبية والاجتماعية، وتوجيه الدعم إلى المرضى الأكثر حاجة وفق معايير شفافة.
فكرة الوقف تقوم على تحويل العطاء إلى مورد مستمر، إذ يمكن استثمار أصول الوقف وتخصيص عوائده لدعم العلاج والمتابعة الطبية، بالتعاون مع المستشفيات والجهات الصحية وشركات الأدوية والمؤسسات الخيرية. كما يمكن أن يسهم هذا النموذج في تجميع الجهود المتفرقة ضمن منظومة واحدة، بما يعزز كفاءة الإنفاق ويحد من تكرار المساعدات، ويمنح المريض وأسرته قدراً أكبر من الاستقرار في التخطيط للعلاج.
يكتسب هذا المقترح أهمية خاصة في دولة الإمارات التي قامت على أسس إنسانية عالمية، حيث رسخت نهجاً يقوم على مد يد العون للمرضى وأصحاب الحالات الحرجة، وقد ساعد نموذج الوقف الذي أطلق في أكثر من مكان على تبني حالات إنسانية ومساعدة مرضى احتاجوا إلى العلاج.
«وقف حياة» الذي أطلقته هيئة الأوقاف وإدارة أموال القُصَّر في أبوظبي بالتعاون مع دائرة الصحة، نموذج حي لدعم المصابين بالأمراض المزمنة تحت شعار «معك للحياة»، بهدف تعزيز استدامة خدمات الرعاية الصحية، وتغطية نفقات العلاج للفئات الأكثر احتياجاً.
مثل هذه المبادرات تعيد الأمل إلى المرضى وأسرهم، من خلال استمرار الأثر الإنساني، بحيث لا يتوقف مصير المريض على توقيت حملة خيرية، أو توافر متبرع، أو قدرة جمعية بعينها على تحمل الكلفة، لأن كلفة علاج الأمراض المزمنة، مصيبة فوق مصيبة المرض نفسه.
