نعرّف سحر السراب الخادع بأنه أهداف انتظمت في خطاب مغرٍ للكائن البشري، خطاب يمتلك من سحر الجذب ما يدفع المؤمن به إلى سلوك مطابق للأوامر الكامنة فيه، حتى لو أفضى هذا السلوك إلى التضحية بالذات أو التضحية بالآخرين.
وكل الخطابات اللاواقعية التي تطلب من معتنقيها التضحية في سبيل أهدافها، تنطوي على سحر السراب الخادع، سواء أكانت الخطابات أصولية أم دنيوية. فحين تطرح الخطابات هدفاً أعلى قيمة من الإنسان، وتحمل المؤمن بها على الموت في سبيله، فإنها تحول الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن ذات حرة إلى أداة لتحقيق وعد متخيل. وهنا تكمن خطورتها: إنها تمنح الوهم سلطة على الواقع، وتجعل التضحية بالحياة طريقاً إلى حياة موعودة.
فالأصولية تناقض الدين الشعبي. وهنا يجب أن نميز بين الدين الشعبي، بوصفه وعياً روحياً ينطوي على التسامح والسلم والقيم الإنسانية الرفيعة ومحبة الإله، وبين الأصولية العنفية التي تسعى إلى الاستيلاء على السلطة بالقوة والإرهاب، وتجعل من البندقية وسيلة لتحقيق أهداف دنيوية بحجة تنفيذ إرادة إلهية.
وبهذا المعنى، فإن الدين بحد ذاته، يهودية كان أم مسيحية أم إسلاماً، ليس بالضرورة خطابات تدعو إلى الموت، بل الدين نمط من وعي الشعوب بحياتها ومصيرها، وعلاقتها بالمقدس. أما الأصولية فهي تحويل الدين من تجربة روحية وأخلاقية إلى خطاب سياسي سلطوي، يسعى إلى إقناع المؤمن بأن الاستيلاء على السلطة أمر إلهي، وأن طاعة أصحاب هذا الخطاب طاعة لله نفسه.
وهنا تقع أخطر عمليات تزييف، إذ تتحول إرادة الجماعة السياسية إلى إرادة إلهية مزعومة، ويغدو الاعتراض على الجماعة اعتراضاً على المقدس. وبذلك تُمنح السلطة البشرية حصانة إلهية، ويُمنح القتل معنى الواجب المقدس.
تكمن خطورة هذه الخطابات، مهما كان مرجعها الديني، في الدعوة إلى القتل باسم المقدس ورموزه المتعددة، حيث يغدو القتل وسيلة للانتصار، ويصبح الموت برهاناً على الإيمان، فقد جرت الحروب الصليبية تحت راية الدفاع عن المسيح والقدس، أي باسم الصليب، وهي الحروب التي عرفها المؤرخون العرب بحروب الفرنجة. وجاء من جاء إلى الشام باسم الدفاع عن المراقد المقدسة، وجعل من هذا الدفاع ذريعة لحروب السلطة والنفوذ.
والصهيونية فكرة حديثة نشأت في أوروبا، واستثمرت، في تيارات منها، فكرة الوعد الإلهي بأرض الميعاد لإضفاء المشروعية المقدسة على مشروع سياسي دنيوي، والحركات الأصولية الإسلامية اتكأت، في بعض تياراتها، على فكرة الحاكمية لله، واتكأت تيارات أخرى على انتظار المهدي، وحولت التصورات الدينية إلى أدوات للتعبئة السياسية والصراع على السلطة.
وهكذا يغدو المقدس، وسيلة لتحقيق غايات دنيوية، ويصبح الله، في الخطاب الأصولي، اسماً آخر لإرادة الساعين إلى السلطة، وهذا لا يعني أن سراب الخطابات الدنيوية الوهمية أقل خطراً من سراب الخطابات الأصولية. فقد بشرت الخطابات الدنيوية بالحرية والعدالة والمساواة والسعادة البشرية، وحين وصلت حركاتها إلى السلطة تبخرت وعودها، وتحولت السلطة إلى صنمها المعبود. وما كان وسيلة لتحرير الإنسان صار غاية لإخضاعه.
إن أخطر ما في سراب هذه الخطابات بكل أنواعها ليس وعدها بالخلاص، بل حمل المؤمنين بها على الموت من أجل السراب. ولهذا فإن مواجهة سحر السراب لا تكون بسراب مضاد، بل باستعادة قيمة الإنسان بوصفه غاية، وقيمة الحياة بوصفها المعنى الأول للوجود الإنساني، ولا شك في أن خطاباً حول السعادة البشرية الدنيوية، وحول قيمة الحياة الإنسانية، وقيمة الإنسان من حيث هو ذات والآخر ذات مثله، أمر في غاية الأهمية لمواجهة سحر الأيديولوجيا وسرابها.
ولكن كيف نعلّم الناس حب الحياة؟ هذا ليس سؤالاً تسهل الإجابة عنه. فقد أكدت دراسات علم النفس أهمية الطفولة في تكوين الشخصية وميولها. وكان عالم النفس الأمريكي واطسون، أحد مؤسسي المدرسة السلوكية، قد بالغ في تأكيد أثر البيئة والتربية حين زعم أنه يستطيع، بالتدريب، أن يجعل من الطفل طبيباً أو محامياً أو لصاً، بصرف النظر عن استعداداته الفردية.
وإذا كانت الطفولة مرحلة أساسية في تكوين الشخصية، فإن المدرسة، منذ الروضة، يجب أن تكون فضاءً لتربية الإنسان على حب الحياة، لا مؤسسة لترويضه على الطاعة العمياء، ومن هنا تأتي أهمية الموسيقى والرسم والرياضة والفنون والآداب، من شعر وقصة ومسرح، إلى جانب المعرفة العلمية والتفكير النقدي. فهذا الزاد الجمالي والمعرفي يثري عالم الطفل الروحي، ويعزز قدرته على تذوق الحياة واحترام الآخر، ويمنحه مناعة نسبية ضد ثقافة الكراهية والموت.
فالطفل الذي يتعلم جمال الحياة أقدر على إدراك بشاعة تدميرها، والذي يتعلم التفكير الحر أقل استعداداً للخضوع لسلطة الوهم، وهنا يجب أن نميز بين الأمل والسراب. فالأمل وعي بإمكان تغيير الواقع، أما السراب فهو الهروب من الواقع إلى وعد لا يُختبر. الأمل فعل في الحياة، أما السراب فهو استبدال الحياة بوهم الخلاص منها.
فليس المطلوب أن نحرر الإنسان من حاجته إلى الحلم، بل أن نحرره من أولئك الذين يحولون أحلامه إلى أدوات لاستعباده.
