فور حصوله على الجنسية الفرنسية في عام 1990، قام المسيحي المصري الأصل حسام بطرس مسيحة بتغيير اسمه الأول إلى جون. من مواليد عام 1970 في القاهرة، لكن طفولته من الثالثة إلى السابعة من عمره، كانت في بوغوتا في كولومبيا، ولم تعرفه الدوائر الثقافية الفرنسية مفكراً سياسياً مكرّساً، لكنه ناشط سياسي لا أكثر، تتوجه أطروحاته عادةً إلى قضايا الجنسية والهجرة إلى فرنسا، وهو من أشد المناوئين للمهاجرين من إفريقيا، مع أنه عملياً ينتمي في جذوره إلى بلد إفريقي، ومن المعروف عنه تكراره عبارة استفزازية حين يقول: «أنا عربي على السطح، وفرنسي في العمق» وأحياناً، يدوّر العبارة قائلاً: «إنني عربي من الخارج وفرنسي من الداخل»، الأمر الذي يعني قطيعته الحادّة مع مصر التي ولد فيها، وإلى الآن، يتحدث الرجل باللهجة المصرية الشعبية، وكأنه ما زال يعيش في أحد أحياء القاهرة.
قبل أيام قليلة، هاجم جون مسيحة أعمال الاحتجاج الطّلابية في شوارع باريس، وراح يربط بين هذه التظاهرات المطلبية وبخاصة في قطاع التعليم، وبين المسلمين، وبالطبع، لم ينس ثانية أكل لحم المهاجرين إلى فرنسا.
في عام 2017، أصيب جون مسيحة بصدمة ثقافية وجودية إن أمكن القول، ففي ذروة كراهيته للمهاجرين، اكتشف أن مكتب الإحصاء الوطني في فرنسا لا يزال يعتبره مهاجراً على الرغم من أنه يحمل الجنسية الفرنسية، ولم تدفعه هذه المفارقة المريرة إلى إعادة حساباته الثقافية والفكرية في ما يتعلق بمفاهيم عميقة مثل الهجرة، والهوية، واللغة، بل ظل يطرح نفسه باحثاً سياسياً متبنياً ثقافة اليمين الفرنسي المتطرّف، معيداً المرة تلو الأخرى أسطوانة الهجرة، والكارثة التي تنتظر «بلاده» بحسب رأيه إذا استمرت ظاهرة تدفق العرب والمسلمين على فرنسا.
أعرب جون مسيحة قبل أيام عن غضبه وهو يرى العلم الفلسطيني مرفوعاً في التظاهرات الطلّابية الفرنسية، في حين أن الذين كانوا يرفعون العلم هم فرنسيون، أو أنهم عرب يحملون الجنسية الفرنسية، ولم يكن الأمر يستحق هذا الغضب الساذج، فالشرطة الفرنسية نفسها لم ترَ كارثة أمنية في مجرد رفع علم أو يافطة أو أي رمز أيقوني طبيعي طالما أن هؤلاء لا يكسّرون ولا يحطمّون ولا ينهبون المحال التجارية كما يفعل بعض متطرّفي الاحتجاجات.
صحيح تماماً أن الحركة الطلّابية التي تتمدّد أوروبياً الآن إلى بلدان أخرى هي حركة مطلبية وليست سياسية، لكن مع ذلك، إن أي احتجاج من هذا النوع له بالتأكيد عنوان سياسي، وإن كان عنواناً بارداً بعض الشيء.
