ليست المعضلة الإيرانية في افتقارها إلى التاريخ أو الإمكانات الحضارية والبشرية، ولا في موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية، بل في العلاقة المعقدة بين هوية الدولة، وطبيعة النظام، وأولويات السياسة الخارجية.
فمنذ عام 1979، تحاول الجمهورية الإسلامية الجمع بين إرث وطني عريق، ومرجعية دينية ثورية، وطموح إقليمي يتجاوز حدودها. غير أن السؤال الأهم هو: إلى أيّ مدى تستطيع إيران التوفيق بين متطلبات بقاء النظام، ومصالح الدولة، وتطلعات المجتمع؟
لا يتعلق الأمر بتعارض حتمي بين الثورة، والمذهب، والوطنية، فهذه المكونات يمكن أن تتكامل داخل الدولة. لكن المعضلة تبدأ حين تختلف الأولويات التي تفرضها، وحين تصبح كيفية ترتيبها مسألة تتصل بشرعية السلطة، وكفاءة المؤسسات، وكلفة السياسات، ومستقبل الدولة.
شكّلت الثورة الإسلامية نقطة تحول في تاريخ إيران الحديث، فأعادت بناء المؤسسات السياسية على أساس مرجعية دينية، مع الاحتفاظ بمؤسسات جمهورية، وانتخابات ضمن نظام يمنح المرشد الأعلى موقعاً محورياً في صنع القرار. فالشرعية المرتبطة بالمبادئ التأسيسية تحتاج إلى المحافظة على استمراريتها، بينما تُقاس كفاءة الدولة بقدرتها على توفير الأمن، والاستقرار، والعدالة والفرص الاقتصادية. وقد تتوافق هذه المتطلبات، لكنها لا تتطابق دائماً.
وتظهر المعضلة حين تصبح المحافظة على التصور السياسي القائم قيداً على مراجعة السياسات، حتى عندما تستدعي الظروف إعادة تقييمها.
فالدولة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التعلم والتكيّف، وإلى آليات تختبر القرارات في ضوء نتائجها، لا الاكتفاء بمدى اتساقها مع الخطاب السياسي.
ومن هنا، فإن التحدي الإيراني لا يتمثل في الانتقال من الثورة إلى الدولة، بقدر ما يتمثل في إدارة نظام يجمع بين المرجعية الأيديولوجية والمؤسسات الجمهورية، ويوازن بين متطلبات استمرار النظام والمصلحة الوطنية.
ولا يمكن تفسير السياسة الخارجية الإيرانية بالمذهب وحده. فالمرجعية الشيعية عنصر مهم في تصور الجمهورية الإسلامية لدورها، لكنها تتداخل مع حسابات الردع، وتجربة الحرب مع العراق، ومخاوف التهديد الخارجي، والسعي إلى بناء عمق استراتيجي يمنح طهران مساحة أوسع للمناورة. لذلك، من الضروري التمييز بين المذهب بوصفه مكوناً دينياً وثقافياً، وبين توظيفه في بناء النفوذ السياسي. لكن النفوذ، مهما اتسعت أدواته، لا يُقاس بمجرد القدرة على التأثير خارج الحدود، بل بقدرته على تحقيق أمن مستدام، ومكاسب سياسية، وعلاقات أكثر استقراراً. وقد تمنح شبكات النفوذ الدولة أوراق ضغط إضافية، لكنها قد تفرض عليها أيضاً التزامات ومخاطر، وتزيد احتمالات الاحتكاك مع دول الجوار. وهنا تكمن إحدى المفارقات الاستراتيجية: قد تنجح الدولة في توسيع قدرتها على التأثير، من دون أن تحقق زيادة موازية في أمنها الداخلي، أو رفاه مجتمعها، أو استقرار محيطها.
لذلك، لا يكمن السؤال في ما إذا كان على إيران التخلي عن دورها الإقليمي، بل في كيفية تقييم هذا الدور، وموازنة مردوده بكلفته، وتحديد ما إذا كانت أدواته تعزز أمن الدولة على المدى الطويل، أم تزيد البيئة المحيطة بها اضطراباً.
فالقوة التي لا تتحول إلى استقرار ومكاسب مستدامة تظل محدودة العائد، مهما بدا اتساعها.
وتواجه يران تحديات اقتصادية تتداخل فيها العقوبات والقيود على التجارة والاستثمار، والتوترات الجيوسياسية، والاختلالات الداخلية، وضغوط المياه والطاقة.
فالقوة الوطنية ليست مجموع القدرات العسكرية والموارد الطبيعية، بل قدرة الدولة على تحويل هذه الإمكانات إلى رفاه اجتماعي، واستقرار داخلي، وعلاقات خارجية أكثر استدامة.
وبالنسبة إلى دول الخليج، تظل أهمية هذا السؤال مرتبطة بما يترتب على الخيارات الإيرانية من آثار في أمن المنطقة واستقرارها، وفي إمكان بناء علاقات تقوم على احترام السيادة، وحسن الجوار، والمصالح المتبادلة.
والتعامل مع إيران يتطلب فهماً دقيقاً لمصادر قوتها وحدودها، والتمييز بين ما هو ثابت في بنية النظام، وما يمكن أن يتغير تحت ضغط البيئة الداخلية والخارجية، مع الجمع بين وضوح المواقف المتعلقة بالسيادة والأمن، والقدرة على الردع، والإبقاء على قنوات الاتصال التي تخدم خفض التصعيد وإدارة المخاطر.
وهنا تكمن المسألة الأعمق: مستقبل قوة إيران لن تحدده قدرتها على الاحتفاظ بأدوات النفوذ فقط، وإنما قدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى قوة وطنية قابلة للاستمرار.
فامتلاك الأوراق لا يعني بالضرورة حسن توظيفها، واتساع النفوذ لا يعني بالضرورة اتساع الأمن.
وختام القول: لا تُقاس قوة إيران باتساع نفوذها وحده، بل بقدرتها على تحويله إلى أمن وطني، وتنمية مستدامة واستقرار إقليمي مع الجوار المحيط.
