منذ توليه مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، سواء في ولايته الحالية أو الولاية السابقة، يصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن يقدم للعالم نموذجاً غرائبياً جديداً في عالم السياسة يصعب فهمه، فهو يخلط بين القضايا السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومصالحه ومصالح حاشيته بطريقة فجّة، حيث شكلت السياسة الخارجية الأمريكية في عهده ظاهرة تحليلية فريدة، بفعل التفاعل الديناميكي بين الأطر النظرية في العلاقات الدولية والسمات الفردية لصانع القرار، فأظهرت مدة رئاستيه، الأولى والثانية، تراجعاً واضحاً للنظرية الليبرالية، وتجاوزاً على التزامات الولايات المتحدة الدولية، وتحالفاتها الاستراتيجية.
وعلى الرغم من أن معظم قراراته تدعو للاستهجان، إلا أن فرض إدارة الرئيس ترامب عقوبات جديدة وشاملة على المحكمة الجنائية الدولية، يُعد خطوة جد خطرة، حيث يؤدي القرار الأمريكي إلى شلّ قدرة المحكمة على العمل، وحظر التعاملات المالية معها، وقطع مواردها.
والحقيقة أن الخلاف بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية ليس وليد اليوم، فعلى مدى عقود، رفض الجمهوريون والديمقراطيون، على حد سواء، فكرة امتلاك المحكمة الجنائية الدولية سلطة مقاضاة المواطنين الأمريكيين، أو أفراد القوات المسلحة، أو القادة السياسيين.
لكن توقيت هذه العقوبات بعد مذكرتي الاتهام اللتين أصدرتهما المحكمة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يشير بوضوح إلى أن الهدف من هذه العقوبات، هو تقويض الجهود الرامية لتحقيق العدالة، ليس للفلسطينيين فحسب، بل لضحايا أخطر الجرائم في شتى أنحاء العالم.
فالمحكمة الجنائية الدولية كما هو معروف هي آلية قضائية دولية مستقلة، تعتبر ملاذاً أخيراً يجب أن تتمكن من العمل بحرية تامة بعيداً عن التدخلات السياسية، أو الإكراه، لضمان حصول الضحايا، الذين لا سبيل آخر لهم، على العدالة جرّاء الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت بحقهم.
ورأت المحكمة أن هذه التدابير «تهدف إلى ترهيب موظفيها وعرقلة أنشطتها، مؤكدة أنها لن تسمح لشيء بأن يثنيها عن مسارها». وندّدت بالعقوبات، معتبرة أنها «اعتداء على سيادة القانون الدولي». فيما دان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش العقوبات الأمريكية، مجدداً تأكيد دعمه الراسخ لاستقلالية المحكمة ومسؤوليها، مشيراً إلى أن القرار الأمريكي يُعد ضربة خطرة للمساعي الدولية نحو تحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تعد المحكمة الجنائية الدولية ركيزة أساسية لها.
والحقيقة أن القرار الذي اتخذته إدارة ترامب يظهر كدليل إضافي آخر على تخبط السياسة الأمريكية، وابتعادها عن كل معايير المنطق والعدالة، ويقول كل من أبراهام نيومانان وزميلته ستايسي غودارد، وهما أكاديميان أمريكيان، في مقال مشترك في «نيويورك تايمز»، إن أسلوب ترامب ليس مجرد فوضى، أو نسخة جديدة من صراع القوى العظمى على غرار ما كان سائداً في القرن التاسع عشر، ولكنه مستلهم من نهج في الحكم يعود إلى القرن السادس عشر، وقالا إنه «إذا لم تتحرك الدول الأخرى بسرعة لكبح جماح نزوات ترامب، فمن المرجح أن يتشكل نظام عالمي جديد قائم على الهيمنة». وأشارا إلى أن واشنطن دافعت، لعدة عقود، عن نظام دولي قائم على القواعد، لكن الرئيس ترامب بادر لتدميره بسرعة، وجاهر بذلك التوجه قائلاً «لا أحتاج إلى القانون الدولي».
وبغضّ النظر عن المواقف المندّدة بالقرار الأمريكي، وهي كثيرة، إلا أن هذه العقوبات الأمريكية ضد الجنائية الدولية تبدو أشبه بدعوة لتسييد الفوضى في العالم، وزيادة التوترات والصراعات، بل وزيادة التسلح، من رجل يزعم ليل نهار أنه يسعى لإطفاء الحروب، وحلّ النزاعات الدولية، ذلك أنه في حال تقويض القوانين الدولية، والمؤسسات المنوط بها تنفيذها، ما الذي يتبقى لدى الدول المستضعفة من وسائل للدفاع عن مصالحها سوى البحث عن مصادر للقوة، أو عقد التحالفات العسكرية؟
وأخيراً، يمكن القول إن من يزعم رغبته في إحلال السلام في العالم، وإطفاء الحرائق، لا يقدِم على محاربة القاضي، ويهدم المؤسسات القانونية العالمية، المنوط بها محاكمة الخارجين عن القانون، ومرتكبي الجرائم على اختلافها.
