أحيت واقعة تحرش روبوت بشري بفتاة قاصر في مدينة كولونيا الألمانية، مساء السبت الماضي، سؤالاً قديماً بصيغة مقلقة: هل يمكن أن تصبح هذه الآلات وسيلة مثالية لارتكاب الجريمة الكاملة؟
للوهلة الأولى، تبدو الفكرة مغرية: شخص يجلس بعيداً عن مسرح الجريمة، يرسل روبوتاً لتنفيذ أفكاره الشريرة، ثم يتخلص منه بعد انتهاء المهمة، لا مواجهة مباشرة، ولا شهود، ولا بصمات أصابع، غير أن هذا التصور أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع.
كانت المشكلة الأساسية أمام المحققين في الماضي هي غياب الأدلة أو نقصها، لكن في أيامنا هذه تتوافر الأدلة بكثرة، وكلما ازدادت التكنولوجيا تعقيداً اتسعت فرص التتبع والكشف.
الروبوت ليس كائناً مستقلاً يتحرك من تلقاء نفسه ثم يختفي، فخلف كل روبوتٍ، شخصٌ اشتراه أو شغّله أو برمجه أو أصدر إليه الأوامر، كما أنه يعتمد على شبكات اتصال وأنظمة تشغيل وتحديثات وبرمجيات، وكلها تترك آثاراً رقمية يمكن تتبعها.
ولهذا، تنظر القوانين الحديثة إلى الروبوت باعتباره أداة كالمسدس، والمسؤولية الجنائية تقع على الإنسان الذي استخدمه أو وجهه أو برمجه لتنفيذ فعل مخالف للقانون.
والأهم من ذلك أن الروبوتات نفسها ليست صناديق سوداء مغلقة كما يعتقد كثيرون، فهي تعمل داخل بيئة رقمية تترك سجلات متواصلة عن الحركة والاتصال والأوامر والبرمجيات المستخدمة، وحتى لو دُمر الجهاز، تظل أجزاء من قصته محفوظة خارج جسده المادي، في الخوادم والشبكات وقواعد البيانات المختلفة.
ثم هناك العالم الحقيقي، فالروبوت لا يتحرك في فراغ، إنه يسير في شوارع حافلة بالكاميرات، وبين سيارات تسجل ما يدور حولها، وأمام مارة يحمل معظمهم هواتف قادرة على التصوير والبث الفوري، ولهذا فإن تتبع مسار الروبوت يصبح في كثير من الأحيان أكثر سهولة مما يتصور مصممو السيناريوهات السينمائية.
المفارقة أن التكنولوجيا التي يظن البعض أنها تتيح وسيلة مثالية للإفلات من العدالة، هي نفسها الفخ، فالذكاء الاصطناعي لا يمحو الآثار، بل يضيف إليها طبقات جديدة من المعلومات والقرائن.
لهذا تبدو فكرة «الجريمة الكاملة بالروبوت» أقرب إلى سراب رقمي منها إلى احتمال واقعي، فكلما ازدادت الآلات ذكاءً، تراكمت قدرات العالم المحيط بها على التذكر والتسجيل والتعقب.
وفي النهاية، قد لا يكون الروبوت شريكاً أخرس في الجريمة، بل شاهد رقمي مؤجل، قد يصمت بعض الوقت لكنه يحتفظ بما يكفي لإسقاط الإنسان الذي يقف خلفه.
